النَّعْت (الصفة)
في اللغة العربية: دراسة نحوية تعليمية
مقدمة
يُعَدّ النعت – أو ما يُعرف بالصفة – أحد أنواع التوابع في اللغة العربية، وهو باب مهم في علم النحو؛ إذ يسهم في توسيع المعنى وتخصيصه وتجميله، ويزيد الكلام بيانًا ودقّة. ولا تكاد جملة عربية تخلو من نعت يجلّي الموصوف ويُبرِز خصائصه.
وقد أدرك البلاغيون قيمة النعت في تحسين البيان، فقال ابن جني: "والصفة تابعة للموصوف، تجري مجراه وتزيد المعنى وضوحًا". ويُعَدّ فهم النعت وخصائصه مدخلًا جوهريًا لاستيعاب التراكيب العربية.
أولًا: تعريف النعت وموقعه في النحو
النعت: تابعٌ يُذكَر لبيان صفة في اسم قبله يسمّى المنعوت، ويتبعه في إعرابه، وفي التعريف والتنكير، وفي التذكير والتأنيث، وفي العدد.
مثالٌ بسيط:
الهواءُ نعمةٌ عظيمةٌ
– عظيمة نعت، وقد وصفت النعمة بالعظمة.
ومثال قرآني: ﴿ لِمَنِ المُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ ﴾
فكلمتا الواحد والقهّار نعتان لله عز وجل.
ثانيًا: أقسام النعت
ينقسم النعت إلى قسمين رئيسين:
1. نعت حقيقي
2. نعت سببي
1. النعت الحقيقي
وهو الذي يصف ذات الموصوف نفسه.
صور النعت الحقيقي
أ– النعت المفرد
وهو الأكثر استخدامًا، ويأتي اسمًا مفردًا أو مثنى أو جمعًا، وتابعًا في الإعراب لما قبله.
مثال قرآني: ﴿ فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ ﴾
ب– النعت شبه الجملة
ويتكون من:
• جار ومجرور
مثال: ﴿ يُرِيدُ اللَّهُ أَلَّا يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الْآخِرَةِ ﴾
شبه الجملة متعلق بمحذوف نعت لـ حظًّا.
• ظرف
مثال: استمعتُ إلى خطيبٍ فوقَ المنبرِ
شبه الجملة نعت لـ خطيب.
ج– الجملة
وتأتي جملة اسمية أو فعلية، بشرط أن يكون المنعوت نكرة.
• جملة اسمية : قرأتُ كتابًا أسلوبُه سهلٌ.
• جملة فعلية : ﴿ رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ ﴾
ثالثًا: خصائص النعت الحقيقي
يتبع النعتُ منعوتَه في أربعة أمور:
1. الإعراب
فالصفة تأخذ حكم الموصوف:
• إن كان مرفوعًا فهي مرفوعة
• إن كان منصوبًا فهي منصوبة
• وإن كان مجرورًا فهي مجرورة
أمثلة:
• الطلابُ الحريصونَ متفوقون
• إنَّ الطلابَ الحريصينَ متفوقون
2. التعريف والتنكير
لا تُوصف المعرفة بنكرة ولا العكس.
مثال: الطالبُ المجتهدُ ناجح
• قدّرتُ طلابًا مجتهدينَ
3. التذكير والتأنيث
مثال: طالباتٌ مجتهداتٌ
• طالبٌ مجتهدٌ
4. العدد (الإفراد والتثنية والجمع)
أمثلة: طالبٌ نشيطٌ
• طالبانِ نشيطانِ
• طلابٌ نشيطون
رابعًا: النعت السببي
تعريفه
هو نعت يُذكَر لبيان صفةٍ في شيءٍ له علاقة بالمنعوت وليس في الموصوف ذاته.
مثال:
يحبّ الناس رجلًا صادقًا كلامُه
النعت صادقًا لا يصف الرجل نفسه وإنما يصف كلامه.
ما يتبعه فيه المنعوت
1. الإعراب
2. التعريف والتنكير
ما يتبعه فيه الاسم الواقع بعده
يتبع النعتُ السببي الاسمَ المذكور بعده في:
• النوع: تذكيرًا وتأنيثًا
مثال: يحب الناس رجلًا صادقةً عهوده
النعت مؤنث لأنه يصف عهودًا (جمع غير عاقل يعامل معاملة المؤنث).
خامسًا: إعراب الاسم الواقع بعد النعت السببي
1. إذا كان النعت السببي اسم فاعل أو صيغة مبالغة
يُعرب الاسم الواقع بعده فاعلًا.
أمثلة قرآنية : ﴿ يَخْرُجُ مِن بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ ﴾
ألوانه: فاعل لـ مختلف.
من الاستعمال اللغوي
أنشأت الدولةُ مدنًا عظيمًا تخطيطُها
تخطيطها: فاعل لـ عظيم.
ويجوز أن يُعرب:
• تمييزًا منصوبًا لفظًا مرفوعًا محلًا
• أو مضافًا إليه مجرورًا لفظًا مرفوعًا محلًا
مثال: وصل الرجلُ الطويلُ لحيةً
لحيةً: تمييز في اللفظ، فاعل في المحل.
2. إذا كان النعت السببي اسم مفعول
يُعرب الاسم الواقع بعده نائبَ فاعل.
مثال: الكاتبُ المقروءةُ أعمالُه مؤثرٌ
أعماله: نائب فاعل لـ المقروءة.
ويجوز أيضًا اعتباره:
• تمييزًا
• أو مضافًا إليه
كقولك: رأيتُ الكاتبَ المقروءَ الأعمالِ n
الأعمالِ: مضاف إليه في اللفظ، نائب فاعل في المحل.
سادسًا: ترتيب الصفات في العربية
النحاة وضعوا قواعد دقيقة لترتيب الصفات كي يأتي الكلام على سَنَن الفصاحة.
1. القاعدة الأولى: الصفة الخاصّة لا تأتي بعد العامّة
لا يقال:
✘ رجلٌ فصيحٌ متكلّمٌ
بل يقال:
✔ رجلٌ متكلّمٌ فصيحٌ
وذلك لأن "المتكلم" أخصّ من "فصيح"، والأخصّ يُقدَّم.
وقد قال ابن السراج:
"ولا يجوز أن تكون الصفة أخص من الموصوف، إذ الطويل أعمّ من زيد وحده..."
2. القاعدة الثانية: إذا جاءت الصفة بعد متضايفين أولُهما عدد
جاز أن تعود الصفة على:
• العدد
أو
• المعدود
مثال من القرآن ﴿ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا ﴾
الصفة طباقًا عائدة على سبع.
﴿ سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ ﴾
الصفة سمانٍ عائدة على بقرات.
3. فائدة في تعدد النعوت
إذا تعددت النعوت للشيء الواحد:
• فإنْ تباعدت المعاني فالأفصح العطف.
• مثال قرآني: ﴿ هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ ﴾
• وإن تقاربت المعاني تُذكر بلا عطف.
• مثال: ﴿ وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ ... ﴾
سابعًا: شواهد شعرية على النعت
1. من شعر المتنبي
وما الدهرُ إلا من رواةِ قصائدي فإذا قلتُ شعرًا أصبحَ الدهرُ منشدا
رواةِ نعت لـ الدهر على سبيل الاستعارة البيانية.
2. من المعلقات
قول امرئ القيس يصف فرسه:
له أيْطَلا ظَبْيٍ وساقا نعامةٍ وإرخاءُ سَرْحانٍ وتقريبُ تَتْفُلِ
كل هذه الصفات نعوت متتابعة تصف الفرس بدقة بالغة.
ثامنًا: وظيفة النعت في البلاغة والسياق
يُستعان بالنعت لتحديد المعنى وتجميله، ومن وظائفه:
1. التوضيح
مثال: اشتريتُ كتابًا مفيدًا
النعت حدد نوع الكتاب.
2. التخصيص
مثال: جاء الرجلُ الكريمُ
خص "الرجل" بصفة الكرم.
3. التكثير والمبالغة
في الشعر والأدب كما في قول زهير:
ومهما تكن عند امرئٍ من خليقةٍ وإن خالها تخفى على الناس تُعلَمِ
4. الإيحاء العاطفي
فتكرار الصفات في القرآن يشي بالرهبة أو الطمأنينة،
كقوله تعالى: ﴿ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾
﴿ شَدِيدُ الْعِقَابِ ﴾
تاسعًا: الفرق بين النعت وغيره من التوابع
يُشابه النعتُ بعض التوابع مثل:
• البدل: لكنه يستبدل الجزء بالجزء
• العطف: ويشارك النعت في بعض الوظائف
• التوكيد: لكنه يعمّق المعنى ولا يصف ذاتًا
وميزان التفريق بينها أساسه العلاقة المعنوية.
عاشرًا: الأخطاء الشائعة في استعمال النعت
1. عدم تطابق النعت مع المنعوت
مثل:✘ الطالبةُ مجتهدٌ
الصواب:
✔ الطالبةُ مجتهدةٌ
2. وصف المعرفة بنكرة
✘ جاء الرجلُ طويلٌ
✔ جاء الرجلُ الطويلُ
3. وضع الصفة العامة قبل الخاصة
✘ شاعرٌ عربيٌّ عبقريٌّ
شاعرٌ عبقريٌّ عربيٌّ
خاتمة
يتبيّن من هذا العرض الشامل أنّ النعت بابٌ دقيق في النحو العربي، ومفتاح من مفاتيح الفصاحة. فهو يضفي على الجملة العربية جمالًا، ويزيد معناها وضوحًا وتخصيصًا، وقد تجلّى استعماله الرفيع في القرآن الكريم والشعر العربي، مما يؤكد ثراء العربية بوصفها لغةً دقيقة في التعبير عن الصفات والخصائص.
ولذلك فإنّ دراسة النعت ليست مجرد معرفة قواعد إعرابية، بل هي فهم لأساليب العرب في توصيف الأشياء وإبراز دقائق المعاني، الأمر الذي يجعل الطالب أقرب إلى روح اللغة وإيقاعها.
مراجع مقترحة
1. ابن هشام الأنصاري، أوضح المسالك إلى ألفية ابن مالك.
2. الزمخشري، المفصل في علم العربية.
3. ابن عقيل، شرح ابن عقيل على الألفية.
4. السيوطي، همع الهوامع في النحو.
