الناس والتلوث والحكومة البيئة بين الوعي الثقافي والعدالة الاجتماعية ومسؤولية السلطة

الناس والتلوث والحكومة البيئة بين الوعي الثقافي والعدالة الاجتماعية ومسؤولية السلطة
مقدمة: حين تصبح البيئة مرآة للمجتمع لم تعد قضية البيئة في عالمنا المعاصر مسألة علمية محصورة في حدود التلوث ومصادره، ولا شأناً تقنياً يقتصر على قياس نسب الملوثات ومراقبة تدهور الموارد الطبيعية؛ فقد غدت قضية إنسانية وسياسية وثقافية متشابكة، ارتبطت ارتباطاً وثيقاً بتحولات العولمة، وباتت تعكس طبيعة العلاقة بين الإنسان ومجتمعه وسلطته، وبين حاجاته الاقتصادية وحقوقه في الحياة الكريمة. لقد أسهم اتساع الوعي بكونية المخاطر البيئية في ترسيخ الاعتقاد بأن التلوث مشكلة تتجاوز الحدود الجغرافية والسياسية، وأن مواجهته تستلزم تعاوناً دولياً، ورؤية مشتركة، وسياسات تتجاوز المصالح المحلية الضيقة. غير أن عالمية الخطر لا تعني تماثل التجارب الإنسانية في إدراكه؛ فالبيئة، وإن كانت فضاءً مشتركاً للحياة، فإن معناها في الوعي الاجتماعي يتشكل وفقاً للثقافة والطبقة والموقع الجغرافي ومستوى المعيشة وطبيعة العلاقة بين المواطن والدولة. ومن هنا تتباين الخطابات البيئية من مجتمع إلى آخر، وتتعدد أشكال الاهتمام بها والاستجابة لمخاطرها. فثمة مجتمعات ترى في حماية الطبيعة أولوية أخلاقية وحضارية، وأخرى تنشغل أولاً بمياه الشرب النظيفة، والهواء الذي يمكن استنشاقه، والشارع الذي لا تغمره القمامة، والصرف الصحي الذي لا يهدد صحة سكانه. وليس هذا الاختلاف دليلاً بالضرورة على تفاوت الوعي، بقدر ما يكشف عن اختلاف الشروط التي يعيش الناس في ظلها، وعن تفاوت المسافة بين الخطر البيئي وتجربتهم اليومية. وتتدخل في تشكيل هذه الاستجابات عوامل متعددة، من بينها طبيعة الأخطار التي تتعرض لها المنطقة، ومدى إدراك السكان لآثارها، وموقع القضية البيئية في المجال السياسي، ومدى حضورها في الخطاب العام، فضلاً عن مساحة الحرية المتاحة للاحتجاج والتنظيم والمطالبة بالحقوق. كما تتأثر أشكال الفعل الاجتماعي بمدى تقبل المجتمع للاحتجاج، وبالتعارض المحتمل بين المصالح الاقتصادية لبعض الفئات ومتطلبات حماية البيئة. وفي هذا السياق تبرز أهمية البنية الثقافية؛ فهي ليست مجرد مجموعة من الأفكار الموروثة أو التصورات المتداولة، بل هي الإطار الذي يفهم الناس من خلاله العالم المحيط بهم، ويصنفون المخاطر، ويحددون المسؤوليات، ويتصورون إمكانات التغيير. فالإنسان لا يتعامل مع التلوث باعتباره رقماً علمياً مجرداً، وإنما يختبره في جسده وبيته وشارعه وعمله، ويمنحه معنى يتصل بتاريخه الاجتماعي وتجربته اليومية. ومن هذا المنظور تكتسب دراسة كتاب «الناس والتلوث: البنية الثقافية والفعل الاجتماعي في مصر» أهميتها؛ إذ لا تكتفي بتسجيل مظاهر التدهور البيئي، وإنما تحاول النفاذ إلى الوعي الذي تتشكل داخله علاقة المصريين ببيئتهم، وإلى الكيفية التي تتحول بها المعرفة بالمشكلة إلى سلوك اجتماعي، أو تظل عاجزة عن التحول إلى فعل جماعي بسبب الفقر أو التهميش أو ضعف الثقة بالمؤسسات. إن السؤال الجوهري الذي يثيره هذا العمل ليس فقط: لماذا يتلوث المكان؟ بل أيضاً: من يملك قرار تلويثه؟ ومن يتحمل نتائجه؟ ومن يستطيع الاعتراض؟ ومن يمتلك الوسائل التي تتيح له استعادة حقه في بيئة سليمة؟ وهكذا تصبح البيئة مرآة للعدالة الاجتماعية، ويغدو التلوث وجهاً آخر لاختلال توزيع الثروة والسلطة والمسؤولية. الفصل الأول: البيئة في مصر من القضية الهامشية إلى المجال السياسي شهدت مصر، شأنها شأن كثير من المجتمعات، تزايداً ملحوظاً في الاهتمام بالقضايا البيئية، وأخذت مشكلات التلوث تحتل مساحة متنامية في الصحافة ووسائل الإعلام والنقاش العام. وكان لتبني الدولة للملف البيئي أثر مهم في نقله من دائرة الاهتمامات المحدودة إلى الأجندة السياسية والمؤسسية. ومن أبرز الخطوات التي شهدتها تلك المرحلة صدور قانون البيئة رقم 4 لسنة 1994، وإنشاء وزارة الدولة لشؤون البيئة عام 1999. وقد مثّل ذلك اعترافاً مؤسسياً بأهمية القضية البيئية، وبضرورة وضع إطار قانوني وإداري للتعامل مع مشكلاتها. ومع ذلك، فإن اتساع مساحة الحديث عن البيئة لا يعني بالضرورة أن الخطاب البيئي أصبح أكثر عمقاً أو عدالة. فالمشكلة ليست في قلة المقالات أو التقارير أو البرامج التي تتناول التلوث، وإنما في طبيعة التصورات التي تنتجها بعض هذه المواد، وفي اللغة التي تستخدمها لتفسير الظاهرة وتحديد المسؤول عنها. لقد شاع في جانب من الخطاب الإعلامي تفسير يقوم على فكرة «نقص الوعي»، وكأن التلوث نتيجة مباشرة لجهل الأفراد وسوء سلوكهم، لا حصيلة شبكة معقدة من الظروف الاقتصادية والسياسية والمؤسسية. ويأخذ هذا الخطاب أحياناً نبرة وعظية متعالية، تلقي باللوم على الفئات الأفقر، وتتعامل معها بوصفها المصدر الأساسي للفوضى والقذارة، متجاهلة أن كثيراً من هذه الفئات تعيش في بيئات محرومة من الخدمات الأساسية. وهنا تظهر مفارقة أخلاقية واجتماعية بالغة الأهمية: أن توضع مسؤولية تلوث المدن على عاتق مواطن لا يجد نظاماً منتظماً لجمع القمامة، أو لا تتوافر في منطقته شبكة صرف صحي مناسبة، بينما تُغفل مسؤولية المؤسسات الصناعية والجهات الإدارية التي تملك القدرة الفعلية على منع التلوث أو الحد منه. إن المساواة بين انبعاثات المصانع الثقيلة وبين ممارسات الأفراد المحدودة، دون تحليل الفروق في حجم الضرر والقدرة على التحكم فيه، ليست مجرد خطأ في التقدير العلمي؛ إنها اختلال في توزيع المسؤولية الأخلاقية والاجتماعية. كما أن اختزال البيئة النظيفة في المظهر الحضري والحدائق والشوارع المنظمة يحول القضية إلى علامة من علامات الوجاهة الاجتماعية، ويجعل الاهتمام بها يبدو ترفاً لا يليق إلا بمن امتلكوا قدراً من الاستقرار والفراغ المادي والنفسي. والنتيجة أن البيئة تتحول من حق إنساني مشترك إلى امتياز رمزي تتباهى به بعض الفئات، بينما تُستبعد الجماعات الأكثر تعرضاً لمخاطر التلوث من الخطاب الذي يدّعي الدفاع عنها. الفصل الثاني: الكتاب ومنهجه البحثي؛ من قياس التلوث إلى فهم الإنسان يمثل كتاب «الناس والتلوث: البنية الثقافية والفعل الاجتماعي في مصر» محاولة بحثية متميزة لفهم العلاقة بين المصريين العاديين والمشكلات البيئية التي تحيط بهم. وقد شارك في تأليفه نيكولاس هوبكنز، أستاذ الأنثروبولوجيا بالجامعة الأمريكية بالقاهرة، وسهير مهنا، الباحثة المشاركة بمركز البحوث الاجتماعية بالجامعة نفسها، وصلاح الحجار، أستاذ الهندسة. وكتبت تقديمه الدكتورة نادية مكرم عبيد، وزيرة الدولة لشؤون البيئة آنذاك. وجاء الكتاب ثمرة مشروع بحثي نفذه مركز البحوث الاجتماعية بالجامعة الأمريكية بالقاهرة، بتمويل من مركز بحوث التنمية الدولية في كندا. وتنبع أهمية المشروع من أطروحته الأساسية التي ترى أن أفراد الطبقة العاملة والطبقة الوسطى، في الريف والحضر، يمتلكون تصورات ومعارف بشأن البيئة والتلوث، وأن فهم هذه التصورات شرط ضروري لفهم أنماط استجابتهم للمشكلات البيئية. فالباحثون لا ينظرون إلى الناس باعتبارهم موضوعاً سلبياً للملاحظة، ولا يفترضون أنهم يفتقرون إلى المعرفة لمجرد اختلاف لغتهم عن لغة الخبراء، وإنما يحاولون اكتشاف مصادر معرفتهم، وحدودها، وأشكال توظيفها في الحياة اليومية. أولاً: المنهج الميداني وتعدد أدوات المعرفة اعتمد البحث على مجموعة من الأدوات المنهجية المتكاملة، شملت المسوح الاجتماعية، والمقابلات، وجماعات النقاش البؤرية، إلى جانب القياسات العلمية لمستويات تلوث المياه والهواء والضوضاء. كما شارك أربعة باحثين مقيمين، تولى كل منهم متابعة إحدى مناطق الدراسة الأربع، بما أتاح فهماً أكثر اتصالاً بالسياقات المحلية، وأبعد البحث عن الاكتفاء بالبيانات الإحصائية المجردة. وقد اختيرت المناطق لتقديم صور متباينة من الواقع الاجتماعي والبيئي المصري: 1. كفر العلو: منطقة صناعية تقع بالقرب من حلوان، وتحتفظ ببعض الخصائص الريفية رغم اندراجها في نطاق القاهرة الكبرى. وتعاني من التلوث الصناعي، ولا سيما الغبار الأسمنتي المنبعث من مصنع أسمنت بورتلاند حلوان. 2. دار السلام: منطقة حضرية ذات امتداد عمراني غير رسمي، وتعاني من تداخل مشكلات الصرف الصحي والقمامة وتلوث الهواء والضوضاء، فضلاً عن الازدحام المروري والغبار الناتج عن الشوارع غير المرصوفة وانتشار الورش. 3. السيدة زينب: حي قاهري عريق يمثل شريحة من الطبقة الوسطى، ويواجه مشكلات تلوث الهواء والضوضاء الناجمة عن الكثافة السكانية والمرورية وانتشار الورش وبعض الأنشطة الصناعية الصغيرة. 4. إبخاص: قرية ريفية تقليدية، تتصل مشكلاتها البيئية باستخدام المواد الكيميائية في الزراعة، فضلاً عن المشكلة الأكثر خطورة، وهي تدهور جودة مصادر المياه وعدم صلاحيتها للشرب وفقاً للقياسات العلمية التي أوردها البحث. وأُجري مسحان ميدانيان عامي 1995 و1997، شمل كل منهما أكثر من ألفي مبحوث، إلى جانب الأدوات النوعية الأخرى. ومع ذلك، لم يدّع المؤلفون أن العينة تمثل المجتمع المصري بأسره؛ بل أشاروا إلى أنها تغطي قطاعاً واسعاً منه، مع إدراكهم حدود التعميم الناتجة عن طبيعة المناطق المختارة. وكانت الدراسة قد بدأت بمحاولة إدراج حي المعادي ضمن نطاق البحث، غير أن الباحثين لم يتمكنوا من استكمال العمل الميداني هناك بسبب محدودية تعاون بعض المبحوثين. وقد استعانوا، لتعويض جانب من هذه الفجوة، بمصادر بحثية أخرى، من بينها أعمال الباحثة إيمان الرملي بشأن رؤية المرأة للتغير البيئي في القاهرة. وتتجلى قوة المنهج هنا في الجمع بين المعرفة الكمية والكيفية، وبين ما يقوله الناس وما تكشفه القياسات العلمية. فالرقم يوضح حجم الظاهرة، والمقابلة تكشف معناها، والملاحظة الميدانية تضع الاثنين في سياق الحياة اليومية. ثانياً: الأطر النظرية الأربعة لم يكتف المؤلفون بعرض البيانات، بل وضعوها في سياق نظري مقارن، مستندين إلى أربعة اتجاهات تحليلية: الاتجاه الأول: التصورات الثقافية. يركز على أن إدراك المخاطر البيئية لا يتشكل بمعزل عن الثقافة؛ فالناس يفسرون ما يحيط بهم من خلال منظومة من المعاني والتجارب والقيم المتوارثة والمكتسبة. الاتجاه الثاني: تحليل المخاطر. ينطلق من العلاقة بين الإحساس بالخطر والاستعداد للفعل. فليس كل خطر معروف يدفع الإنسان إلى التصرف، إذ تتدخل درجة القلق، والإحساس بالقدرة على المواجهة، والثقة بالجهات المسؤولة. الاتجاه الثالث: البيئة بوصفها ملكية عامة. يرى أن الهواء والماء والمجال العام موارد مشتركة، وأن حمايتها تتطلب تعاوناً يتجاوز المنفعة الفردية المباشرة. الاتجاه الرابع: العدالة البيئية. ينظر إلى التلوث باعتباره قضية تتعلق بعلاقات القوة بين الجماعات الاجتماعية، وبالتفاوت في توزيع الأضرار والمنافع والقدرة على اتخاذ القرار. وتكمن أهمية هذا التعدد النظري في أنه يمنع اختزال المشكلة في تفسير واحد، ويتيح قراءة الواقع المصري من زوايا ثقافية واقتصادية وسياسية متداخلة. الفصل الثالث: الوعي البيئي بين المعرفة العلمية والتجربة اليومية من أهم النتائج التي يكشف عنها الكتاب أن وعي الناس بالبيئة لا يمكن قياسه بمجرد مقارنة معلوماتهم بالمعلومات العلمية المتخصصة. فالإنسان لا يحتاج بالضرورة إلى معرفة التركيب الكيميائي للملوثات حتى يدرك أن الهواء الذي يستنشقه يضره، أو أن المياه التي يشربها تحمل خطراً على صحته. وقد يملك خبرة عملية دقيقة بالمشكلة، وإن لم يستطع التعبير عنها بالمصطلحات العلمية. وتظهر هذه المسألة بوضوح في نتائج الدراسة المتعلقة بمياه الشرب في قرية إبخاص. فقد أظهرت القياسات العلمية أن مصادر المياه في القرية غير صالحة للشرب، ومع ذلك أبدى 90.7% من السكان رضاهم عن مستوى نقاء المياه، وهي أعلى نسبة بين المناطق الأربع. ولا ينبغي قراءة هذه النتيجة باعتبارها دليلاً بسيطاً على غياب الوعي؛ بل ينبغي فهمها من خلال الطريقة التي يعرّف بها السكان الماء الملوث. فالمياه، في إدراكهم اليومي، تكون ملوثة حين تكون ذات رائحة كريهة، أو طعم غير مستساغ، أو مظهر غير نظيف. أما الملوثات غير المرئية، مثل الرصاص وبعض المواد الكيميائية، فلا تحظى بالدرجة نفسها من الإدراك، لأنها لا تقدم للإنسان علامة حسية مباشرة. وهنا تتجلى المسافة بين المعرفة التجريبية والمعرفة العلمية: الأولى تستند إلى ما تلتقطه الحواس وتختبره الخبرة، والثانية تكشف ما قد يظل مستتراً وراء المظهر الخارجي للأشياء. لكن هذه المسافة لا تعني أن معرفة الخبراء مطلقة أو أن خبرة الناس عديمة القيمة؛ بل تعني أن المعرفة البيئية الحقيقية تحتاج إلى حوار بين الطرفين، بحيث تفسر القياسات العلمية المخاطر الخفية، وتكشف الخبرة اليومية كيف يعيش الناس هذه المخاطر ويتعاملون معها. البيئة باعتبارها نظافة ومجالاً اجتماعياً يكشف الكتاب أن مفهوم التلوث لدى كثير من السكان أكثر تحديداً من مفهوم البيئة نفسه؛ إذ ترتبط البيئة في تصورهم بالنظافة والصحة وجودة الحياة اليومية. وتتصدر مشكلات تراكم القمامة والصرف الصحي وتلوث المياه قائمة الأخطار التي تشغلهم، بينما تأتي قضايا مثل الإشعاع النووي وثقب الأوزون والاحتباس الحراري في مراتب متأخرة من الاهتمام. وهذا الترتيب ليس اعتباطياً؛ فالإنسان يمنح الأولوية للخطر الذي يلامس حياته مباشرة، ويهدد صحته أو بيته أو مصدر رزقه. ومن هنا يمكن التمييز بين ما يمكن تسميته «الأجندة البيئية اليومية»، التي تنشغل بإزالة التلوث وتحسين شروط العيش، و«الأجندة الخضراء»، التي تركز على حماية الطبيعة والتنوع البيولوجي وصون النظم الإيكولوجية. ولا يعني ذلك أن إحدى الأجندتين أرقى من الأخرى، بل إنهما تعبران عن مستويين متكاملين من العلاقة بالبيئة. وتظهر خصوصية الثقافة المحلية في أن مفهوم البيئة لا يقتصر على الطبيعة والمكان المادي، بل يمتد إلى البيئة الاجتماعية والأخلاقية. فقد أدرج بعض السكان ضمن مشكلاتهم البيئية ظواهر مثل التحرش بالفتيات، وانتشار المخدرات والبانجو، وبعض الممارسات التي يرون أنها تفسد المجال الاجتماعي. وهكذا تتداخل البيئة الطبيعية بالبيئة الاجتماعية في الوعي الشعبي، ويصبح التلوث مفهوماً يتجاوز القذارة المادية ليشمل اختلال العلاقات الإنسانية وتراجع الإحساس بالأمان والنظام. اختلاف المخاطر باختلاف المكان تؤكد نتائج البحث أن الوعي البيئي يتشكل وفقاً لطبيعة المكان. ففي كفر العلو رأى 77.2% من السكان أن تلوث الهواء هو أكبر مشكلة بيئية، وهو أمر يتسق مع تعرض المنطقة للغبار الأسمنتي والانبعاثات الصناعية. وفيما يتعلق بمصادر التلوث، اتجه سكان كفر العلو إلى اعتبار المصانع سبباً رئيسياً لتلوث الهواء، بينما أرجع سكان السيدة زينب ودار السلام جانباً كبيراً من المشكلة إلى السيارات، في حين برز الغبار بوصفه أحد مصادر التلوث المهمة في قرية إبخاص. وهكذا لا يتحدث الناس عن بيئة مجردة، بل عن مكان يحمل ذاكرة الضرر وآثاره. فلكل منطقة لغتها الخاصة في وصف الخطر، ولكل جماعة أولوياتها التي صاغتها ظروف العيش. الفصل الرابع: التلوث والطبقة والفقر؛ من سوء السلوك إلى غياب العدالة لعل الإسهام الأكثر أهمية في الكتاب هو إعادة وضع الطبقة الاجتماعية في قلب النقاش البيئي. فالمشكلة البيئية لا تقع على الجميع بالدرجة نفسها، ولا تتوزع أضرارها وفق منطق المساواة. إذ كثيراً ما تتخذ الفئات الأكثر فقراً مواقع سكنية أكثر تعرضاً للتلوث، بينما تمتلك الفئات الأعلى دخلاً قدرة أكبر على اختيار أماكن الإقامة، والحصول على الخدمات، والابتعاد عن مصادر الخطر. وفي الوقت الذي تشارك فيه فئات المجتمع المختلفة في التعرض لبعض الملوثات العامة، مثل عوادم السيارات، تتحمل الفئات الفقيرة بصورة أشد وطأة مشكلات السكن بالقرب من المصانع، وضعف شبكات الصرف الصحي، وتراكم القمامة، وانتشار الحشرات والقوارض. إن الفقر هنا ليس مجرد عامل اقتصادي منفصل عن البيئة، بل هو أحد الشروط التي تعيد إنتاج التلوث وتضاعف آثاره. القمامة بوصفها أزمة بنيوية تقدم مشكلة القمامة مثالاً واضحاً على العلاقة بين الفقر والحرمان من الخدمات. ففي بعض مناطق الدراسة، مثل إبخاص وكفر العلو، كانت خدمات جمع القمامة غائبة أو محدودة، بينما لم تكن منتظمة في دار السلام والسيدة زينب. كما حالت ضيق الشوارع والأزقة دون وصول عربات جمع المخلفات إلى بعض المناطق، فضلاً عن ضعف الحافز الاقتصادي لدى بعض جامعي القمامة للعمل في الأماكن التي لا تحقق مخلفاتها عائداً مادياً كافياً. وأمام هذا القصور، اضطر السكان إلى التخلص من القمامة بإلقائها في الأراضي الفضاء، أو حرقها، أو إلقائها في الترع بالنسبة إلى بعض سكان القرى. وتتسع دائرة الضرر بعد ذلك؛ فتراكم المخلفات يؤدي إلى انتشار الذباب والبعوض والصراصير والفئران، الأمر الذي يدفع السكان إلى استخدام المبيدات الحشرية بصورة متكررة. وقد أشار البحث إلى أن أكثر من 65% من أفراد العينة يستخدمون المبيدات بانتظام داخل منازلهم لمكافحة الحشرات. وهنا تتشكل حلقة من الأضرار المتبادلة: تلوث ناجم عن غياب الخدمات، يتبعه استخدام وسائل منزلية لمقاومته، فتنتج عنها مخاطر إضافية على الهواء والصحة والميزانية المحدودة للأسر. وتبدو هذه الحلقة أكثر قسوة في كفر العلو، حيث يضطر السكان إلى إغلاق النوافذ وتغطيتها بالبلاستيك للحد من دخول الغبار الأسمنتي إلى المنازل، بما يؤدي إلى ضعف التهوية وتفاقم مشكلات جودة الهواء الداخلي. إن المواطن هنا لا يعيش داخل بيئة ملوثة فحسب، بل يجد نفسه مضطراً إلى إنفاق جزء من دخله المحدود لمقاومة آثار تلوث لم يكن هو صاحب القرار في إنتاجه. بين الضرورة والاختيار المستحيل تتضح المفارقة الاجتماعية أكثر عندما نتأمل العلاقة بين العمل والبيئة. ففي كفر العلو، لم يكن الاحتجاج على التلوث أمراً سهلاً بالنسبة إلى العاملين في مصنع الأسمنت؛ إذ ارتبطت مصالحهم الاقتصادية بمستوى الإنتاج والحوافز المالية. وقد أشار البحث إلى أن إدارة المصنع استخدمت حاجة العمال إلى الوظيفة والحوافز في إقناعهم بأن تشغيل المرشحات قد يتعارض مع زيادة الإنتاج، ومن ثم مع دخلهم. وهنا يجد العامل نفسه أمام معادلة قاسية: إما أن يحافظ على مصدر رزقه، وإما أن يطالب ببيئة صحية قد يؤدي الاحتجاج من أجلها إلى تهديد استقراره الاقتصادي. وفي قرية إبخاص تتكرر المفارقة في صورة أخرى؛ إذ يدرك السكان أضرار المواد الكيميائية المستخدمة في الزراعة، لكنهم يستمرون في استخدامها أملاً في الحصول على محصول أوفر ودخل أكبر. وقد وصف المؤلفون هذه المفاضلة بأنها «صفقة فاوستية»: منفعة اقتصادية قريبة في مقابل ثمن صحي وبيئي بعيد المدى. والمغزى هنا أن السلوك الضار لا يمكن تفسيره دائماً بالجهل أو اللامبالاة؛ فقد يكون أحياناً استجابة اضطرارية لظروف لا تترك للإنسان مجالاً واسعاً للاختيار. الفصل الخامس: الثقافة والتمييز الاجتماعي وصناعة خطاب الوعي لا يقدم الكتاب المجتمع المصري باعتباره كتلة متجانسة، ولا يختزل الفروق في مواجهة بسيطة بين الصفوة والشعب. فالمناطق الأربع تكشف عن اختلافات داخل الفئات الاجتماعية نفسها، وعن أثر الموقع الجغرافي والتعليم والعمر والنوع والانتماء المحلي في تشكيل التصورات البيئية. ومن الأمثلة اللافتة سؤال الباحثين عن تفسير سلوك الأشخاص الذين يلقون المياه القذرة والقمامة في الشوارع. جاءت الإجابتان الأكثر شيوعاً على النحو الآتي: • رأى 55.3% من أفراد العينة أن الناس لا يملكون حلاً آخر. • رأى 31.3% أن الناس أميون أو جاهلون أو يفتقرون إلى الوعي. لكن توزيع الإجابات بحسب المناطق يكشف عن فروق كبيرة؛ إذ بلغت نسبة من أرجعوا السلوك إلى غياب البدائل 93.7% في كفر العلو، و92.9% في إبخاص، مقابل 23% في دار السلام و17.4% في السيدة زينب. وفي المقابل، لم تتجاوز نسبة من أرجعوا السلوك إلى الجهل 3.2% في كفر العلو و4.5% في إبخاص، بينما تجاوزت نصف المبحوثين في بعض المواقع الحضرية وفق عرض الدراسة. وتكشف هذه النتائج عن ظاهرة اجتماعية تستحق التأمل: فبعض الفئات التي تمتلك وضعاً اجتماعياً أعلى نسبياً قد تتبنى خطاباً أخلاقياً يحمّل الفئات الأدنى مسؤولية التلوث، وتستمد من هذا الخطاب شعوراً بالتفوق والتميز. وقد يكون هذا التصور متأثراً أيضاً بخطاب إعلامي مهيمن يكرر تفسير المشكلات الاجتماعية من خلال نقص الوعي الفردي، دون الالتفات الكافي إلى البنية الاقتصادية والمؤسسية التي تنتجها. ومن هنا يصبح الحديث عن الوعي نفسه قضية طبقية؛ فالسؤال لا يعود مقتصراً على مقدار ما يعرفه الناس، وإنما يمتد إلى من يملك حق تعريف المعرفة الصحيحة، ومن يملك سلطة إصدار الأحكام على الآخرين. كما يلفت البحث النظر إلى أن الانقسامات داخل المجتمعات المحلية قد تعرقل التعاون البيئي، مثل الانقسام بين السكان القدامى والجدد، أو التنافس بين العائلات الكبيرة، أو التباين بين عمال المصنع وغير العاملين فيه. وهذه التفاصيل تذكرنا بأن الفعل الجماعي لا ينشأ تلقائياً من وحدة المعاناة، بل يحتاج إلى الثقة والتنظيم والمصلحة المشتركة والشعور بإمكان تحقيق التغيير. الفصل السادس: الناس والحكومة؛ المسؤولية بين الفرد والمؤسسة من أكثر نتائج الكتاب إثارة للتأمل ما يتعلق برؤية السكان للجهة المسؤولة عن التلوث. فقد أظهرت الدراسة أن كثيراً من السكان ينسبون المسؤولية المباشرة عن التلوث إلى الناس أنفسهم وإلى ممارساتهم اليومية، ويرون أن الحل يبدأ بإصلاح السلوك الفردي. وقد تبدو هذه النتيجة للوهلة الأولى غير متوقعة، خصوصاً في مناطق تعاني من غياب الخدمات الأساسية أو من التلوث الصناعي. لكن المؤلفين يقترحون تفسيراً مهماً، مفاده أن إدراك الناس لخطورة المشكلة يقابله إدراك آخر بضعف قدرتهم على التأثير في أسبابها الجذرية. فحين يشعر المواطن بأن الاحتجاج قد يقابل بالتجاهل أو القهر، وأن مطالبة المؤسسات بمسؤولياتها لا تحقق نتيجة ملموسة، قد يلجأ إلى تحميل نفسه ومحيطه المباشر مسؤولية ما يحدث. إن الإنسان يميل أحياناً إلى حصر المسؤولية في المجال الذي يستطيع التحكم فيه، حتى لو لم يكن هذا المجال هو المصدر الحقيقي للمشكلة. لكن هذه النزعة لا تعني أن السكان يجهلون دور الدولة؛ فالكتاب يكشف بوضوح أنهم يمتلكون تصوراً عن واجبات الحكومة، وعن حقهم في الحصول على الخدمات الأساسية، وعن ضرورة وجود قواعد تنظم المجال العام. فهم يدركون أن التخلص من القمامة لا يمكن أن يكون مسؤولية الأفراد وحدهم، وأن الدولة مطالبة بإنشاء نظام فعال لجمع المخلفات والتخلص منها، وتوفير شبكات الصرف الصحي، وتنظيم العلاقة بين المواطنين، وتطبيق القانون على الجميع. كما يرون أن القانون لا ينبغي أن يكون مجرد نص مكتوب، بل أداة عادلة تحمي الضعيف من تجاوز القوي، وتمنع تحويل المجال العام إلى مساحة تخضع لمن يملك النفوذ والمال. الدولة والعدالة في توزيع الخدمات يشير الكتاب إلى شعور واضح لدى السكان بأن الحكومة لا تطبق القواعد بالدرجة نفسها على جميع المواطنين، وأن الأحياء الأكثر ثراءً تحظى بخدمات أفضل من المناطق الفقيرة. وتظهر هذه المفارقة في مسألة الصرف الصحي؛ إذ يتحمل سكان بعض المناطق الشعبية تكاليف توصيلات الصرف من الخطوط الرئيسية إلى منازلهم، بينما لا يواجه سكان أحياء أكثر ثراءً الأعباء نفسها بالدرجة ذاتها. وهنا تتجاوز المسألة حدود الخدمة الفنية، لتصبح سؤالاً عن معنى المواطنة والمساواة. فإذا كان المواطن يدفع الضرائب، ويشارك في تحمل أعباء الدولة، فمن حقه أن يحصل على نصيبه العادل من الخدمات العامة، دون أن يصبح موقعه الجغرافي أو مستواه الاقتصادي سبباً في حرمانه. إن العدالة البيئية لا تتحقق بمجرد منع المصانع من إطلاق الملوثات، بل تتطلب أيضاً توزيعاً منصفاً للبنية الأساسية والخدمات الصحية، وحماية الفئات الأقل قدرة على الدفاع عن مصالحها. التهميش وحدود الفعل الجماعي لا يقتصر التهميش الذي يصفه الكتاب على ضعف الخدمات، بل يمتد إلى القيود التي تواجه محاولات السكان لتنظيم أنفسهم والدفاع عن بيئتهم. فقد تردد بعض سكان دار السلام في إنشاء جمعية محلية تهتم بنظافة الحي، خشية أن ينظر إليها باعتبارها تنظيماً معارضاً أو نشاطاً سياسياً غير مرغوب فيه. كما نظر بعض السكان إلى التعاون مع أحزاب المعارضة بوصفه مجالاً محفوفاً بالمخاطر. وهكذا لا تكون المشكلة دائماً غياب الرغبة في المشاركة، وإنما غياب البيئة المؤسسية التي تجعل المشاركة ممكنة وآمنة وذات جدوى. ومع ذلك، لا يصور الكتاب الناس باعتبارهم عاجزين تماماً؛ بل يسجل العديد من المبادرات الإيجابية التي قاموا بها لتحسين أوضاعهم البيئية. وهذا جانب مهم؛ لأنه يكشف أن المجتمع يمتلك طاقات كامنة للتنظيم والتعاون، لكنها تحتاج إلى الاعتراف بها وتوفير الشروط التي تسمح لها بالنمو. الفصل السابع: مقارنة فلسفية؛ أي مسؤولية أخلاقية نريد للإنسان أن يتحملها؟ تسمح نتائج الكتاب بفتح حوار مع عدد من الاتجاهات الفلسفية والأخلاقية التي حاولت تفسير علاقة الإنسان بالطبيعة، وحدود حريته، ومسؤوليته عن العالم الذي يعيش فيه. 1. الفلسفة الليبرالية: حرية الفرد وحدود الضرر تؤكد الفلسفة الليبرالية، في أحد مساراتها الأساسية، حرية الفرد ومسؤوليته عن أفعاله، لكنها لا تمنح هذه الحرية حق الإضرار بالآخرين. ومن هذا المنظور، لا يجوز للفرد أن يحول الشارع إلى مكان لإلقاء المخلفات، كما لا يجوز للمؤسسة الصناعية أن تجعل الهواء المشترك مجالاً مفتوحاً لتصريف نفاياتها. ويمكن استحضار مبدأ جون ستيوارت مل القائل بضرورة الحد من حرية الفرد حين تتحول أفعاله إلى ضرر يلحق بالآخرين. لكن تطبيق هذا المبدأ على الواقع البيئي يكشف أن المسؤولية ليست فردية فحسب؛ فالمؤسسات الكبرى تمتلك قدرة على إحداث أضرار واسعة، ولذلك ينبغي أن تتحمل التزامات تتناسب مع حجم الضرر الذي تسببه وقدرتها على منعه. 2. الماركسية: التلوث بوصفه نتاجاً للعلاقات الاقتصادية تقدم الماركسية مدخلاً مهماً لفهم الصلة بين الفقر والتلوث؛ إذ تربط الظواهر الاجتماعية بالبنية الاقتصادية وتوزيع الملكية والسلطة. ومن هذا المنظور، لا يمكن فهم التلوث الصناعي بمعزل عن طبيعة الإنتاج، والمصالح الاقتصادية، وعلاقة العامل بصاحب العمل. وتبدو حالة عمال مصنع الأسمنت مثالاً واضحاً على هذا التعارض؛ فالعامل الذي يحتاج إلى أجره يجد نفسه واقعاً بين حاجته إلى الحياة وحاجته إلى بيئة صحية. إن المشكلة هنا ليست نقصاً في الوعي وحده، وإنما علاقة اقتصادية تجعل بعض الناس يتحملون أضرار الإنتاج بينما تتركز سلطة اتخاذ القرار والمنافع في أيدي آخرين. 3. النفعية: المصلحة العامة وحساب الأضرار تسعى الفلسفة النفعية إلى تقييم الأفعال والسياسات وفقاً لما تحققه من منفعة عامة، وما تسببه من ألم أو ضرر. وبتطبيق هذا المنظور على البيئة، يصبح من الضروري ألا تقاس جدوى المصنع بحجم الإنتاج والأرباح وحدهما، بل بما يتركه من آثار على صحة السكان والموارد العامة والأجيال المقبلة. فقد يبدو تشغيل المصنع من دون مرشحات أكثر ربحية على المدى القصير، لكنه يصبح خياراً غير عقلاني إذا احتسبنا تكاليف الأمراض وتدهور البيئة والعلاج وفقدان جودة الحياة. غير أن النفعية قد تواجه مشكلة أخلاقية إذا سمحت بالتضحية بمصلحة أقلية فقيرة من أجل منفعة اقتصادية أكبر للأغلبية؛ ولذلك تحتاج إلى أن تقترن بمبادئ العدالة والحقوق. 4. العدالة بوصفها إنصافاً: من توزيع الخدمات إلى تكافؤ الفرص تقدم فلسفة جون رولز في العدالة بوصفها إنصافاً أساساً مهماً للتفكير في توزيع الأعباء والمنافع. فالمجتمع العادل لا يكتفي بتقديم قواعد متساوية شكلياً، بل ينبغي أن يهتم بموقع الفئات الأقل حظاً، وألا يسمح بأن تتحول الفوارق الاجتماعية إلى حرمان دائم من الحقوق الأساسية. ومن هذا المنظور، فإن ترك الأحياء الفقيرة دون خدمات صرف صحي أو جمع منتظم للقمامة ليس مجرد خلل إداري، بل هو مشكلة تتعلق بالعدالة في توزيع المنافع العامة. 5. الفلسفة البيئية: الإنسان جزء من الطبيعة لا سيد مطلق عليها تتجاوز الفلسفة البيئية النظرة التي تتعامل مع الطبيعة باعتبارها مخزوناً من الموارد المتاحة للاستغلال. فالاتجاهات البيئية العميقة ترى أن الإنسان ليس كائناً منفصلاً عن العالم الطبيعي، وإنما هو جزء من شبكة الحياة التي يتوقف وجوده على توازنها. ومن هنا تصبح حماية البيئة مسؤولية تتجاوز المنفعة الفردية العاجلة، لتشمل احترام الكائنات الحية والموارد والأجيال المقبلة. 6. التصوف الإسلامي: الطهارة والميزان وعمارة الأرض يمكن استحضار التصوف الإسلامي بوصفه أفقاً أخلاقياً وروحياً يوسع معنى العلاقة بين الإنسان والبيئة. ففي الرؤية الصوفية، لا تنفصل طهارة الظاهر عن طهارة الباطن، ولا تنحصر النظافة في إزالة الأوساخ، بل تمتد إلى تهذيب النفس وتحريرها من الأنانية والإسراف والاعتداء. وتحضر هنا دلالة قوله تعالى: «وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا»؛ وهي دلالة تجعل الإفساد فعلاً يتجاوز حدود المخالفة الفردية إلى الإخلال بالنظام الذي تقوم عليه الحياة. كما أن مفهوم الميزان يفتح باباً لفهم البيئة بوصفها نظاماً من العلاقات المتوازنة، لا يجوز للإنسان أن يعبث بها دون أن يتحمل عواقب فعله. وفي المعنى الصوفي، يمكن القول إن من لم يتعلم احترام المكان الذي يأويه، لم يكتمل إدراكه لمعنى الأمانة؛ فالأرض ليست ملكاً مطلقاً للإنسان، وإنما مجال مؤتمن عليه. وهنا تلتقي الأخلاق الصوفية مع الفلسفة البيئية في الدعوة إلى التواضع أمام الطبيعة، وتلتقي مع العدالة الاجتماعية في رفض أن يتحمل الضعفاء وحدهم ثمن اختلال التوازن. لكن هذا الأفق الروحي لا ينبغي أن يتحول إلى خطاب وعظي يطالب الفقراء بالنظافة بينما يحجب مسؤولية المؤسسات. فالطهارة الأخلاقية لا تعفي الدولة من واجباتها، ولا تحل محل القانون والعلم والعدالة. الفصل الثامن: النقد والتقييم؛ قوة الكتاب وحدود أطروحته تكمن القيمة الأساسية للكتاب في أنه يعيد الاعتبار إلى الناس بوصفهم أصحاب معرفة وتجربة، لا مجرد متلقين لتوجيهات الخبراء أو موضوعات لخطاب إعلامي يتحدث باسمهم. وقد نجح المؤلفون في تجاوز التفسير السطحي الذي يربط التلوث بقلة الوعي وحدها، وأظهروا أن الممارسات الفردية تتشكل داخل سياقات اقتصادية واجتماعية ومؤسسية لا يمكن تجاهلها. كما أن الجمع بين المسوح والمقابلات والقياسات العلمية منح الدراسة قدراً من التوازن المنهجي، وأتاح اختبار التصورات الشعبية على ضوء المعطيات العلمية، دون اختزال الأولى في كونها معرفة ناقصة. ومن نقاط القوة أيضاً أن الكتاب لم يقدم المجتمع المصري في صورة واحدة، بل كشف عن اختلافات بين الريف والحضر، وبين المواقع الصناعية والشعبية، وبين الفئات الاجتماعية داخل المنطقة الواحدة. كذلك فإن إدراج العدالة البيئية ضمن التحليل يوسع النقاش من سؤال النظافة والسلوك إلى أسئلة السلطة والحقوق وتوزيع الأضرار. ومع ذلك، يمكن تسجيل عدد من الملاحظات النقدية: أولاً: حدود التعميم. رغم اتساع العينة وتعدد الأدوات، فإن اختيار أربع مناطق لا يسمح بالضرورة بتعميم النتائج على جميع البيئات المصرية، خصوصاً المناطق الساحلية والصحراوية والمناطق الصناعية الأخرى. ثانياً: التغير الزمني. تعكس البيانات الميدانية المسجلة عامي 1995 و1997 واقعاً تاريخياً محدداً. ولذلك تظل الحاجة قائمة إلى دراسات لاحقة تقارن النتائج بالتحولات السكانية والصناعية والسياسية والبيئية التي شهدتها مصر منذ ذلك الوقت. ثالثاً: العلاقة بين الإدراك والسلوك. إن معرفة السكان بمخاطر التلوث لا تعني بالضرورة قدرتهم على تغييره. وكان من الممكن توسيع التحليل بشأن الشروط التي تنقل الوعي من مستوى الإدراك إلى مستوى التنظيم والفعل الجماعي المستدام. رابعاً: التمييز بين المسؤوليات. تحتاج مسألة المسؤولية البيئية إلى تفصيل أدق يميز بين مسؤولية الفرد، والمؤسسة الصناعية، والإدارة المحلية، والجهات الحكومية المركزية، مع مراعاة تفاوت القدرة على اتخاذ القرار وحجم الضرر الناتج عن كل طرف. خامساً: المشاركة السياسية. تكشف الدراسة عن وجود عوائق أمام تنظيم السكان لأنفسهم، لكنها تفتح أيضاً سؤالاً أوسع عن الشروط القانونية والمؤسسية التي تسمح للمجتمعات المحلية بالمشاركة الفعلية في صياغة السياسات البيئية ومراقبة تنفيذها. ولا تنتقص هذه الملاحظات من قيمة العمل، بل تؤكد أن الكتاب يصلح نقطة انطلاق لبرنامج بحثي أوسع، يجمع بين علم الاجتماع والاقتصاد والعلوم البيئية والفلسفة السياسية. خاتمة: البيئة حق لا امتياز إن الدرس الأعمق الذي يمكن استخلاصه من كتاب «الناس والتلوث» هو أن البيئة ليست قضية منفصلة عن المجتمع، وأن التلوث ليس مجرد خلل في الهواء أو الماء أو الشارع، بل هو في كثير من الأحيان انعكاس لاختلال أعمق في توزيع السلطة والثروة والفرص. فالإنسان الذي يعيش وسط القمامة لا يحتاج إلى موعظة عن النظافة بقدر ما يحتاج إلى خدمة منتظمة تحفظ له كرامته. والعامل الذي يستنشق الغبار الصناعي لا يحتاج إلى نصيحة بالصبر بقدر ما يحتاج إلى بيئة عمل آمنة، وقانون يحمي صحته، ومؤسسة لا تجعل لقمة عيشه رهينة صمته عن الضرر. والفلاح الذي يستخدم المواد الكيميائية رغم إدراكه لمخاطرها يحتاج إلى بدائل زراعية واقتصادية واقعية، لا إلى إدانة أخلاقية مجردة. ومن هنا فإن اختزال القضية البيئية في ضعف وعي الأفراد يمثل تبسيطاً مخلاً، لأنه ينقل المسؤولية من البنى التي تنتج الضرر إلى الأفراد الذين يعيشون في ظله. ولا يعني ذلك إعفاء الناس من مسؤولية سلوكهم، بل وضع هذه المسؤولية في سياقها الصحيح، وربطها بواجب الدولة في توفير الخدمات، وواجب المؤسسات في منع الضرر، وحق المواطنين في الرقابة والمشاركة والمحاسبة. إن العلاقة السليمة بين الإنسان والبيئة لا تقوم على الوعظ وحده، ولا على القوانين وحدها، ولا على القياسات العلمية وحدها؛ بل تحتاج إلى تضافر المعرفة والأخلاق والعدالة والمؤسسات. وفي هذا المعنى تكتسب الإشارة الصوفية إلى الأمانة والميزان دلالتها العميقة: فالأرض ليست شيئاً نستهلكه ثم نغادره، وإنما بيت مشترك تتقاطع فيه حياة البشر، وتتصل فيه حقوق الحاضر بمصالح المستقبل. إن النظافة الحقيقية ليست صورة شارع جميل تخفي وراءها أحياء محرومة، ولا مظهراً حضارياً تتباهى به النخب، بل هي تعبير عن عدالة تجعل الهواء والماء والصحة والخدمات حقوقاً لا امتيازات. ولعل السؤال الذي ينبغي أن يبقى مفتوحاً بعد قراءة هذا العمل هو: كيف نطالب الإنسان بأن يحافظ على بيئته، بينما لا نضمن له الحد الأدنى من الحق في بيئة صالحة للحياة؟ إن مجتمعاً لا ينصت إلى أصوات سكانه، ولا يشركهم في صياغة سياساته، سيظل عاجزاً عن معالجة جذور مشكلاته، مهما تضاعفت حملاته الإعلامية ومؤسساته الرسمية. فالبيئة النظيفة تبدأ من احترام الإنسان، والعدالة البيئية تبدأ من الاعتراف بأن لكل إنسان حقاً متساوياً في الحياة الكريمة، وأن حماية الأرض لا تنفصل عن حماية من يسكنونها. ________________________________________ المراجع والإحالات الفكرية أولاً: المرجع الأساسي • هوبكنز، نيكولاس؛ مهنا، سهير؛ الحجار، صلاح. الناس والتلوث: البنية الثقافية والفعل الاجتماعي في مصر. دراسة بحثية صادرة عن مركز البحوث الاجتماعية بالجامعة الأمريكية بالقاهرة، بدعم من مركز بحوث التنمية الدولية – كندا. • قانون البيئة المصري رقم 4 لسنة 1994. ثانياً: مراجع فلسفية واجتماعية للمقارنة والتحليل 1. جون ستيوارت مل، عن الحرية (On Liberty). 2. كارل ماركس، رأس المال (Das Kapital). 3. جون رولز، نظرية في العدالة (A Theory of Justice). 4. هانس يوناس، مبدأ المسؤولية (The Imperative of Responsibility). 5. ألدو ليوبولد، تقويم الرمال (A Sand County Almanac). 6. ماكس فيبر، الاقتصاد والمجتمع (Economy and Society). 7. أولريش بيك، مجتمع المخاطر (Risk Society). ثالثاً: الإحالات القرآنية والأخلاقية • القرآن الكريم، سورة الأعراف، الآية 56: النهي عن الإفساد في الأرض بعد إصلاحها. • القرآن الكريم، سورة الرحمن، الآيتان 7–9: الميزان والعدل وعدم الطغيان فيه. • القرآن الكريم، سورة البقرة، الآية 30: مفهوم الاستخلاف في الأرض. • يمكن الاستئناس بكتابات أبي حامد الغزالي وجلال الدين الرومي في موضوعات تهذيب النفس والتواضع والأمانة، بوصفها إحالات أخلاقية وروحية مساندة، لا بديلاً عن التحليل العلمي والاجتماعي.

مدونة فكر أديب

مرحبًا! أنا كاتب متحمس للاكتشاف والتعلم، وأجد الإلهام في تفاصيل الحياة. أحب القراءة والغوص في عوالم جديدة من خلال الكتب، والكتابة تعبر عن أفكاري ومشاعري. تجربتي الطويلة قد أكسبتني ثراءً في الفهم والتحليل. أنا هنا لمشاركة تلك الخبرات والتفاصيل الجميلة مع الآخرين. دعونا نستمتع معًا بسحر الكلمات والأفكار.

إرسال تعليق

أحدث أقدم

نموذج الاتصال