اسم الله البارئ دلالاته اللغوية والشرعية وأثره في البناء الإنساني

اسم الله البارئ دلالاته اللغوية والشرعية وأثره في البناء الإنساني
الحمد لله الذي خلق فسوّى، وقدّر فهدى، وأبدع فأحسن كلَّ شيءٍ خلقه، وأودع في الوجود آياتٍ تشهد بوحدانيته، وتدل على كمال قدرته وحكمته. والصلاة والسلام على سيدنا محمد، الذي علّم القلوب كيف تعرف ربها من خلال آثار أسمائه الحسنى، وكيف تتأدب مع الخالق في السر والجهر، وفي الصحة والبلاء، وفي السكون والحركة، وعلى آله وصحبه ومن سار على هديه إلى يوم الدين. أما بعد؛ فإنَّ التأمل في أسماء الله الحسنى بابٌ من أبواب المعرفة الإيمانية، ومدخلٌ رقيق إلى تزكية النفس، وتهذيب السلوك، وتوسيع أفق الإنسان في النظر إلى الكون والحياة. ومن تلك الأسماء الجليلة اسم الله البارئ؛ وهو اسمٌ يفيض معنى الإيجاد والتمييز والإتقان، ويكشف عن جانبٍ من جمال الصنعة الإلهية، حيث لا عبث في الخلق، ولا فوضى في التقدير، ولا نقص في التدبير، بل كل شيءٍ قائم على حكمةٍ بالغة، ونظامٍ محكم، ومقاصد دقيقة. أولًا: المعنى اللغوي لاسم الله البارئ ترجع مادة (ب ر أ) في لسان العرب إلى أصلين كبيرين: أحدهما: الخلق والإيجاد، والآخر: المفاصلة والمباعدة والخلوص من العيب. ومن هنا تعددت دلالات الاسم وتنوعت إشاراته، من غير أن يخرج عن مجال الإحسان والإتقان والإبداع. فالعرب تقول: برأ الله الخلق، أي أوجدهم من العدم إلى الوجود، وأنشأهم على غير مثالٍ سابق. ويقال أيضًا: برئ من المرض إذا سلم منه وخلا، وكأن البراءة هنا انتقالٌ من حالٍ إلى حال، ومن أثرٍ إلى نقاء، ومن علّةٍ إلى عافية. ومن هذا الباب قولهم: برأتُ من الدَّين، أي تخلصتُ منه وانفصلت عنه. ويستعمل العرب أيضًا مادة البرء في معنى النحت والتهذيب؛ فيقال: بريتُ القلم إذا نحته ودققته، وبريتُ العود إذا سوّيته وهيأته للاستعمال. ومن هنا يظهر ارتباط الاسم بمعاني الصياغة الدقيقة، والتقدير المحكم، والإعداد لما يليق بالمقصود. وقد ورد في كلام العرب والشعر إشاراتٌ جميلة إلى هذا المعنى، منها قولهم: يا باريَ القوسِ بريًا ليس يحكمهُ لا تُفسِدِ القوسَ أعطِ القوسَ باريها وفيه تصويرٌ دقيق لفكرة الصنعة التي لا يحسنها إلا صانعها، وللمعرفة التي لا يضبطها إلا من أحاط بأسرارها. ثانيًا: المعنى الاصطلاحي لاسم الله البارئ إذا انتقلنا من اللغة إلى الاصطلاح الشرعي، وجدنا أن اسم البارئ يدل على الله سبحانه من جهاتٍ متكاملة: فهو الموجد للخلق من العدم، والمخرج لهم إلى حيّز الوجود، والمفصل بعضهم عن بعض في الخلقة والطباع والوظائف والخصائص، والمنزَّه عن كل نقصٍ وعيب في صنعه وتقديره. فالبارئ إذن ليس مجرد خالقٍ أوجد، بل هو خالقٌ أبدع، وقدّر، وهيّأ، وفصل، وأتقن. ولهذا قال بعض أهل العلم: إن البارئ هو الذي خلق الخلق بريئًا من التفاوت، خاليًا من الخلل، منسجمًا مع السنن التي أقام عليها الكون. ويؤكد هذا المعنى قوله تعالى: ﴿مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ﴾ الملك: 3 فالآية تُقرِّر أن النظر العميق في الخلق لا يقود إلى العبث، بل إلى الانسجام، وأن كل ما في الوجود يحمل بصمة الإحكام. وما ذلك إلا أثرٌ من آثار اسم الله البارئ، الذي لا يترك في الخلق فراغًا إلا ملأه بحكمة، ولا نقصًا إلا جبره برحمة، ولا اختلافًا إلا جعله بابًا للتكامل لا للنزاع. ثالثًا: الفرق بين الخالق والبارئ والمصور وقد جمع القرآن هذه الأسماء الثلاثة في آيةٍ واحدة من سورة الحشر، فقال سبحانه: ﴿هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ الحشر: 24 وهذا الجمع ليس تكرارًا لفظيًا، بل هو ترتيبٌ دلالي بديع، يبيّن مراحل الصنع الإلهي: 1. الخالق: هو الذي يقدِّر الأشياء ويضع لها حدودها ومقاديرها قبل وجودها. فالخلق هنا خلقُ تقديرٍ وعلمٍ وإحاطة. 2. البارئ: هو الذي يُبرز تلك المقادير إلى الوجود، وينفذها في الخارج، فيجعلها حقائق قائمة بعد أن كانت في علمه وتقديره. 3. المصور: هو الذي يمنح كل مخلوق صورته الخاصة وهيئته التي يتميز بها، فلا تتشابه الوجوه تشابهًا يطغى على الفروق، ولا تتكرر الكائنات تكرارًا يميت المعنى، بل لكل شيءٍ ملامحه ومقامه ووظيفته. وبهذا يظهر أن هذه الأسماء متكاملة لا متنافسة؛ فكل اسمٍ يفتح بابًا من أبواب الفهم، ويضيف بعدًا جديدًا إلى صورة الخلق الإلهي: تقديرًا، وإيجادًا، وتصويرًا. رابعًا: ورود الاسم في القرآن الكريم ورد اسم الله البارئ صريحًا في موضعين أساسيين، أحدهما مطلقٌ معرّف، والآخر مقيدٌ بالإضافة: 1. في سورة الحشر قال تعالى: ﴿هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ﴾ الحشر: 24 وهذه الآية من أجمع ما ورد في باب الأسماء الحسنى ؛ إذ جمعت بين أصل الإيجاد، وإبرازه، وتخصيصه بالصورة المناسبة. 2. في سورة البقرة قال تعالى على لسان موسى عليه السلام لقومه: ﴿فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ﴾ البقرة: 54 وفي هذا النداء معنى تربوي عميق؛ إذ لم يقل: إلى خالقكم فقط، بل قال: إلى بارئكم؛ أي إلى من أوجدكم وأحسن خلقكم، فكيف يُقابل الإحسان بالكفران؟ وكيف يُجاب الخلق بالعبادة لغير الخالق؟ إنَّ في الاسم هنا شحنةً وجدانيةً ترد القلب إلى فطرته، وتوقظه من غفلته، وتحمله على الرجوع إلى أصله. خامسًا: المعنى في السنة النبوية وأثره التربوي لم يرد اسم البارئ في السنة على وجهٍ مستقلٍ متكرر، إلا أن معاني البرء والبراءة والمعافاة حاضرة في النصوص النبوية، بما يفتح بابًا لفهم الاسم من خلال الاستعمال الشرعي. ومن ذلك ما روي في الصحيح أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه لما سُئل عن رسول الله ﷺ في مرضه الذي توفي فيه قال: أصبح بحمد الله بارئًا، أي معافى من علته. وهنا يتجاور المعنى اللغوي مع المعنى الشرعي في صورةٍ مؤثرة: فكما يبرئ الله الخلق من العدم إلى الوجود، يبرئ العبد من المرض إلى العافية، ومن الضعف إلى القوة، ومن الانكسار إلى الطمأنينة. وفي الحديث الصحيح أن النبي ﷺ كان يتنفس في الشراب ثلاثًا، ويقول: «إنه أروى وأبرأ وأمرأ»، وفي بعض الشروح أن معنى أبرأ هنا: أبعد عن الأذى وأصلح للبدن. وهذا الاستعمال يكشف عن دقة العربية، وعن اتساع المعنى، وعن تداخل اللغوي بالهداياتي في بيان محاسن الشريعة. كما أن معنى البراءة حاضرٌ في أبواب الطهارة والفقه، في لفظ الاستبراء، وهو إخراج بقايا الأذى وتنقية المحل منه، حتى يصير العبد على تمام الطهارة. وفي هذا رمزٌ جميل: فكما يُطلب من الجسد أن يتطهر، كذلك يُطلب من الروح أن تتبرأ من الشرك والكبر والحسد والرياء. سادسًا: المعنى العقدي والوجودي لاسم البارئ إن التأمل في اسم الله البارئ يورث في القلب جملةً من المعاني العقدية والوجدانية. فهو يرسخ أولًا حقيقة الافتقار؛ لأن الإنسان ليس صانع نفسه، ولا خالق وجوده، ولا مالك مصيره المطلق. وجوده هبة، وبقاؤه هبة، وصورته هبة، وعقله هبة، وأنفاسه هبة. ومن عرف أنه مبروءٌ من قبضة العدم إلى نعمة الوجود، هان عليه الغرور، وسكنت فيه دعوى الاستغناء. ويورث ثانيًا معنى الطمأنينة؛ لأن من كان بارئك هو رب العالمين، فلن يضيعك. الذي أوجدك من لا شيء، لا يعجزه أن يصلح شأنك، ويجبر كسرك، ويعيد ترتيب ما انكسر في روحك. ولذلك فإن المؤمن حين يضيق صدره، لا ينظر إلى الأسباب وحدها، بل يرفع قلبه إلى البارئ الذي بيده الخلق والأمر. ويورث ثالثًا معنى التقدير والرضا؛ لأن اختلاف الخلق ليس نقصًا، بل حكمة. فالناس ليسوا نسخة واحدة، ولا الأرواح متماثلة، ولا المواهب موزعة بالتساوي الظاهري، ولكن وراء هذا التنوع سرٌّ من أسرار البارئ. فبه تتكامل الأدوار، وتنتظم المجتمعات، وتقوم الحياة على التنوع المثمر لا على التشابه الجامد. سابعًا: البارئ وأثره في البعد النفسي والاجتماعي إن الإنسان المعاصر كثيرًا ما يعاني من التشتت والقلق واضطراب المعنى، لأنه ينظر إلى نفسه بوصفها مشروعًا ناقصًا بلا غاية، أو كيانًا مرميًا في عالمٍ بلا دلالة. وهنا يأتي اسم الله البارئ ليعيد ترتيب الداخل الإنساني؛ فكل نفسٍ مبروءةٌ بقدرة الله، وكل كيانٍ منظمٌ بحكمة الله، وكل اختلافٍ بين الناس محكومٌ بسنن الله. على المستوى النفسي، يشعر المؤمن أن ضعفه ليس عيبًا إذا عرف مصدر قوته، وأن نقصه لا يساوي الهوان إذا تذكر أن الله خلقه لحكمة. إن القلق كثيرًا ما ينشأ من وهم السيطرة، أما الإيمان بالبارئ فيربّي في القلب التسليم، والثقة، والسكينة. وعلى المستوى الاجتماعي، يعلمنا هذا الاسم أن البشر متنوعون في الطباع والوظائف والقدرات، وأن هذا التنوع ليس لعنة، بل نعمة. فالعالم لا يقوم بالنسخ المكررة، بل بالأدوار المتعددة. وفي ذلك إشارة إلى أن قيمة الإنسان ليست في مطابقته للآخرين، بل في صدقه مع وظيفته التي أُبرئ لها، وصيغ من أجلها. ثامنًا: لمحات من الشعر العربي في معنى الخلق والإتقان لم يكن الشعر العربي غافلًا عن أسرار الخلق والصنعة؛ فقد التقط من الوجود إشراقاته، وصاغها في صورٍ موحية. ومن ذلك ما يقال في الحكمة: وكلُّ نفسٍ على سلامتها يميتُها اللهُ ثمَّ يُبرِؤُها وفي هذا البيت إشعارٌ بدائرة الحياة والموت والبعث، وأن الخلق في قبضته تعالى ابتداءً وانتهاءً. ويقول الشاعر في معنى الإتقان وحسن الصنع: إذا ما صنعتَ الشيءَ فأحكمْ صنوعَه فإنَّ جمالَ الشيءِ في إحكامِه ومع أن هذا البيت ليس من مشهور الموروث، إلا أن معناه يلتقي مع روح العربية التي ترى الجمال في الإتقان، والتمام في التقدير، والبهاء في النظام. وهذا كله يذكّر المؤمن بربه البارئ، الذي أتقن كل شيءٍ صنعًا. تاسعًا: تربية القلب على اسم الله البارئ من ثمرات هذا الاسم أن يتعلم المسلم الأدب مع الخلق؛ فلا يحتقر صورة، ولا يستهين بخلقٍ، ولا يسخر من هيأة، لأن كل ذلك من تقدير البارئ. ويعلمه أيضًا التواضع؛ إذ كيف يتكبر من كان مخلوقًا من طين، ومخلوقه قائمٌ على نفخةٍ من روح، لا يملك لأنفاسه حولًا ولا طولًا؟ ويعلمه كذلك حسن الظن بالله؛ فمن أوجدك حين لم تكن، قادرٌ على أن يصلحك حين تضعف، وأن يجبرك حين تنكسر، وأن يخرج من ضيقك سعة، ومن حزنك فرجًا، ومن اضطرابك سكينة. ولذلك كان من أرقى معاني التوحيد أن يرى العبد في كل لحظةٍ أثر اسمٍ من أسماء ربه، فيسلم قلبه، ويطمئن سعيه، ويستقيم خلقه. عاشرًا: خلاصة جامعة يتبين من هذا العرض أن اسم الله البارئ اسمٌ عظيم الدلالة، يجمع بين معنى الإيجاد، والإخراج إلى الوجود، والتمييز بين الخلائق، والتنزيه عن النقص والخلل. وهو في القرآن الكريم شاهدٌ على كمال الخلق الإلهي، وفي النفس البشرية باعثٌ على التواضع والسكينة والرضا، وفي المجتمع أساسٌ لفهم التنوع والاختلاف على أنه سنّةٌ محكمة لا عيب فيها. فالبارئ سبحانه هو الذي أبرز الخلق من العدم، وسوّى صورهم، ونوّع وظائفهم، وأقام الكون على نظامٍ منسجم لا خلل فيه إلا ما توهمه الجهل، ولا اضطراب فيه إلا ما صنعه الإنسان حين ابتعد عن هدى خالقه. وإذا كان القلب يعيش بالمعرفة، فإن معرفة هذا الاسم تفتح له بابًا من الأنس بالله؛ إذ يدرك أنه ليس ضائعًا في الكون، بل محفوظٌ بعناية البارئ، ومسوقٌ إلى غايةٍ كريمة، ومُهيأٌ لعبوديةٍ هي شرفه الأعظم. فطوبى لمن عرف ربه من خلال أسمائه، ووقف أمام آثار حكمته خاشعًا، وقال بلسان حاله: يا رب، أنت البارئ، فبرئني من نفسي، واغسل قلبي من علله، وصغني كما تحب وترضى. مراجع مختارة 1. القرآن الكريم. 2. البخاري، الصحيح. مسلم، الصحيح. الترمذي، السنن. ابن ماجه، السنن. 3. ابن تيمية، مجموع الفتاوى. 4. ابن حجر العسقلاني، فتح الباري. 5. البيهقي، الأسماء والصفات. 6. ابن حزم، الفصل في الملل والأهواء والنحل. 7. السعدي، تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان. 8. الراغب الأصفهاني، المفردات في غريب القرآن. 9. ابن منظور، لسان العرب.

مدونة فكر أديب

مرحبًا! أنا كاتب متحمس للاكتشاف والتعلم، وأجد الإلهام في تفاصيل الحياة. أحب القراءة والغوص في عوالم جديدة من خلال الكتب، والكتابة تعبر عن أفكاري ومشاعري. تجربتي الطويلة قد أكسبتني ثراءً في الفهم والتحليل. أنا هنا لمشاركة تلك الخبرات والتفاصيل الجميلة مع الآخرين. دعونا نستمتع معًا بسحر الكلمات والأفكار.

إرسال تعليق

أحدث أقدم

نموذج الاتصال