على بابِ قلبِكَ وقفتُ أستعيرُ ابتسامةً من كرمِ الغيم

على بابِ قلبِكَ وقفتُ أستعيرُ ابتسامةً من كرمِ الغيم
أتيتُ بابَكَ... لا أحملُ سوى قلبٍ تعلَّمَ أن يُحسنَ الظنَّ، ولو أساءَ إليه الانتظار، ولا أملكُ إلا أملاً صغيرًا، لكنَّه عنيدٌ كالعاشق، جميلٌ كالفجر، يُولدُ كلَّ صباحٍ، ولو ماتَ ألفَ مساء. جئتُ أطرقُ بابَكَ، لا لأنَّ الطرقَ هواية، بل لأنَّ القلوبَ إذا أحبَّت، ضاعَ منها الطريقُ إلا إليك. وأعرفُ... أنَّ الجودَ عندكَ بحرٌ، والبحرُ لا يسألُ الموجَ: لِمَ جئتَ؟ ولا يُعاتبُ النهرَ: لِمَ تأخَّرتَ؟ بل يفتحُ ذراعيهِ للماء، كما يفتحُ القلبُ صدرَهُ لمن يعرفُ معنى الوفاءِ. فإن قلتَ لي: لا... ابتسمتُ، فالـ"لا" عند الكرامِ ليست نهايةً، بل استراحةُ معنى، وربَّ منعٍ يحملُ في جيبِه عطاءً أكبر، وربَّ بابٍ أُغلقَ اليوم، ليفتحَ غدًا نوافذَ من نور. وإن قلتَ: نعم... فما أغربَ نعمَكَ! إنَّها لا تأتي وحدَها، بل تصطحبُ معها المطر، والياسمين، ورائحةَ القهوة، وضجيجَ العصافير، وكأنَّ الكرمَ عندكَ لا يعرفُ الاقتصاد، ولا يُجيدُ العدَّ، فهو إذا أعطى... نسيَ أن يتوقَّف. يا صاحبي... لقد رأيتُ قومًا إذا ملكوا، تكبَّروا. ورأيتُ آخرين إذا أعطوا، ذكَّروا الناسَ ألفَ مرَّةٍ بما أعطوا. أمَّا أنت، فتمنحُ الجميلَ، ثمَّ تمضي كأنَّ الأمرَ لا يعنيكَ، وكأنَّ الخيرَ عندكَ عادة، لا بطولة. ولأنَّ الدنيا مسرحٌ ساخر، فقد رأيتُ البخيلَ يتحدَّثُ عن الكرمِ ساعات، حتى كدتُ أصدِّقه، ثمَّ مددتُ إليه يدي... فخبَّأ يدَيْهِ في جيبِه، وكأنَّ أصابعَهُ إرثٌ تاريخيٌّ لا يجوزُ الاقترابُ منه! ورأيتُ آخرَ، يكتبُ عن الإنسانيةِ كلَّ صباح، ثمَّ يغلقُ قلبَهُ مع أوَّلِ محتاج. سبحانَ مَن جمعَ بين كثرةِ الكلام، وقلَّةِ السلام، وبين ضجيجِ الشعارات، وصمتِ المواقف. أمَّا الكريمُ، فلا يحتاجُ إلى إعلان، فالوردُ لا يكتبُ على أوراقِه: "أنا جميل." والشمسُ لا تُعلِّقُ لوحةً تقول: "أنا الضوء." والغيمُ لا يطلبُ تصفيقًا، كلُّ ما يفعلُه... أنَّه يمطر. ولذلك... لا يستوي الناسُ، ولا تتشابهُ القلوبُ، فبين قلبٍ يزرعُ الوردَ، وقلبٍ يزرعُ الشوك، مسافةٌ لا تقيسُها الخرائط. وبين يدٍ تمتدُّ بالعطاء، ويدٍ تنكمشُ بالبخل، فرقٌ يشبهُ الفرقَ بين الفجرِ والظلام، وبين النسيمِ والسموم، وبين الضحكةِ والأنين. عجيبٌ أمرُ البشر! بعضُهم إذا امتلكَ رغيفًا، حسبَ نفسَهُ سلطانًا على المائدة، وبعضُهم يملكُ البساتين، ويعتذرُ لأنَّ الثمارَ لم تكفِ الجميع. وهناكَ من يبخلُ حتى بالابتسامة، كأنَّها تُخصمُ من رصيدِه، ويُوزِّعُ العبوسَ مجَّانًا، فهو تاجرٌ بارعٌ في تصديرِ الكآبة، واستيرادِ الأعذار. أضحكُ أحيانًا... حين أرى أحدَهم يُحاضرُ في الأخلاق، ثمَّ يتعثَّرُ بها عند أوَّلِ امتحان. يتكلَّمُ عن الوفاءِ، ويهربُ عند الحاجة. ويتغنَّى بالمحبَّة، ثمَّ ينسى عنوانَ أصدقائِه إذا ضاقت بهم الحياة. ما أوسعَ الكلام! وما أضيقَ التطبيق! فالقولُ سهل، أمَّا الفعلُ، فهو القصيدةُ التي لا يُتقنُ إنشادَها إلا النبلاء. وأنتَ... كنتَ دائمًا القصيدة، لا العنوان. والنهر، لا الضفَّة. والفعل، لا الضجيج. إذا حضرتَ، حضرتِ الطمأنينة. وإذا ابتسمتَ، ابتسمَ النهار. وإذا أعطيتَ، تسابقَ الشكرُ والدعاء، أيُّهما يصلُ إليكَ أوَّلًا. علَّمتَني أنَّ الكرمَ ليس مالًا فقط، بل كلمةٌ تُداوي، ونظرةٌ تُطمئن، ووقتٌ تمنحُهُ لمن يحبُّك، ودعاءٌ خفيٌّ لا يسمعُهُ إلا الله. فما أجملَ الإنسانَ حين يكونُ كبيرًا بقلبِه، لا بجيبِه، غنيًّا بروحِه، لا برصيدِه، مضيئًا بأخلاقِه، لا بأضواءِ الشهرة. أتيتُ بابَكَ... وما زلتُ أحملُ أملي، لكنَّه اليومَ صارَ أكبر، لأنَّني تعلَّمتُ أنَّ الكريمَ إذا تأخَّر، لا ينسى. وإذا وعد، وفى. وإذا أعطى، أغنى. فإن منعتَ، قلتُ: لعلَّ في المنعِ رحمةً لا أراها، وفي التأخيرِ حكمةً لا أفهمُها بعد. وإن أعطيتَ، قلتُ: هذا هو الفضلُ الذي يُشبهُ المطر، لا يختارُ أرضًا دون أرض، بل يُحيي القلوبَ قبل الحقول. فدمتَ كما عرفتك... قريبًا وإن باعدتْنا المسافات، جميلًا وإن شاختِ الأيام، كريمًا إذا ضاقتِ الدنيا، وبحرًا إذا جفَّتْ بحارُ الناس. سلامٌ على قلبٍ إذا أحبَّ أخلص، وإذا وعدَ أنجز، وإذا أعطى أدهش، وإذا صمتَ... قالتْ أخلاقُهُ كلَّ الكلام.

مدونة فكر أديب

مرحبًا! أنا كاتب متحمس للاكتشاف والتعلم، وأجد الإلهام في تفاصيل الحياة. أحب القراءة والغوص في عوالم جديدة من خلال الكتب، والكتابة تعبر عن أفكاري ومشاعري. تجربتي الطويلة قد أكسبتني ثراءً في الفهم والتحليل. أنا هنا لمشاركة تلك الخبرات والتفاصيل الجميلة مع الآخرين. دعونا نستمتع معًا بسحر الكلمات والأفكار.

إرسال تعليق

أحدث أقدم

نموذج الاتصال