على خُطا الصالحين
«أُحِبُّ الصالِحينَ ولستُ منهم
لعلّي أن أنالَ بهم شفاعة
وأكرهُ مَن تجارتُه المعاصي
ولو كنّا سواءً في البضاعة»
ما أرقَّ هذا الاعتراف حين يخرج من قلبٍ يعرف ضعفه، ولا يزال يمدُّ يديه إلى النور.
فليست العظمة أن يدّعي الإنسان الكمال، بل أن يبقى مشتاقًا إلى الطهر، مُحبًّا لأهله، سائرًا نحوهم ولو تعثّرت خُطاه.
وفي هذه الكلمات روحٌ شفيفة، تُشبه مصباحًا صغيرًا يضيء آخر العتمة، ويهمس للنفس:
إن باب الرحمة أوسع من أخطائنا، وإن القلب إذا صدق في محبته هُديَ إلى الطريق.
أُحبُّ الصالحين…
أحبّ وجوههم الهادئة التي تُشبه الفجر حين يبتسم للكون، وأحبّ أرواحهم النقيّة التي تمشي على الأرض بخفّة الغيم، فلا تؤذي قلبًا، ولا تكسر خاطرًا، ولا تترك خلفها إلا أثرًا طيّبًا كالعطر إذا مرّ بنسيم المساء.
أحبّ الذين إذا تحدّثوا رقّت الكلمات، وإذا صمتوا تكلّمت أخلاقهم، وإذا حضروا شاع في المكان دفءٌ وأمان.
ولستُ منهم…
يا لها من عبارة متواضعة، تفيض صدقًا وعذوبة.
فالقلب المؤمن لا يزكّي نفسه، بل يظلّ خائفًا راجيًا، بين جناحي الرجاء والحياء.
يرى الناسَ أفضل منه، وإن كان يحمل من الخير ما يحمل، لأن النفوس الكبيرة كلّما ارتقت ازدادت تواضعًا، كالغصن المثمر كلّما امتلأ بالثمر انحنى.
لعلّي أن أنال بهم شفاعة…
وهل في الدنيا أجمل من أملٍ يفتح للنفس نافذةً نحو السماء؟
إنها أمنية المحبّ الصادق؛ أن يُحشر مع من أحب، وأن ترفعه المحبة يوم تتعب الأعمال، فالحبّ الصادق نورٌ، والقلوب الطاهرة مرايا للرحمة الإلهية.
وما أجمل الإنسان حين يتعلّق بالصالحين لا طمعًا في دنيا، بل شوقًا إلى الطمأنينة، ورغبةً في النجاة.
ثم تأتي الحكمة الأخرى، كجرسٍ يوقظ القلب من غفلته:
«وأكرهُ مَن تجارتُه المعاصي
ولو كنّا سواءً في البضاعة»
فليست قيمة الإنسان بما يملك، بل بما يختار.
قد تتشابه النفوس في الضعف، لكنّ الفرق كبير بين من يُجاهد نفسه ليعود، ومن يبيع قلبه للخطايا راضيًا مطمئنًّا.
فالذنوب عثرة بشرية، أمّا الإصرار عليها فهو ليلٌ طويل يطفئ في الروح مصابيحها.
ما أعمق هذا المعنى، وما أرقّ هذه الحكمة.
فالمرء قد يذنب، وقد يتعثّر، وقد تغلبه نفسه أحيانًا، لكنّه يظلّ بخير ما دام قلبه يكره السقوط، ويحنّ إلى الطهر، ويستحي من الله إذا أخطأ.
أما الذي اتخذ المعصية تجارةً، يربح بها لذّةً عابرة، ويخسر بها صفاء الروح، فقد أطفأ في داخله صوت النور.
إن الحياة يا صديقي ليست ثوبًا بلا غبار، بل رحلةُ روحٍ تتعلّم كيف تنهض بعد كل انكسار.
وما أجمل التائبين؛ أولئك الذين يغسل الندم قلوبهم، فتعود أنقى من المطر.
يبكون في الخفاء، ثم يبتسمون في وجه الحياة بأملٍ جديد، كأن الرحمة قد مرّت على أرواحهم وربّتت عليها بحنان.
ولعلّ أجمل ما في الإنسان أن يبقى قلبه حيًّا؛
يحزن إذا أخطأ، ويفرح إذا اهتدى، ويحبّ أهل الخير، ويأنس بالقرب من الله، ولو كان مثقلًا بالتقصير.
فالله لا ينظر إلى كمالنا، بل إلى صدق محاولاتنا، وإلى القلوب التي تعود إليه كلّما أضاعها الطريق.
يا ربّ…
إنّا لسنا من الكاملين، لكنّنا نحبّ النور.
ولسنا من الزاهدين الكبار، لكنّ أرواحنا تتعب من العتمة.
نخطئ كثيرًا، ثم نعود إليك حاملين ضعفنا ودموعنا ورجاءنا، لأننا نعلم أن رحمتك أكبر من كل شيء.
فاجعل لنا نصيبًا من صحبة الصالحين،
وارزق قلوبنا نقاءً يشبه الدعاء في آخر الليل،
ولا تجعل الدنيا تأخذ من أرواحنا صفاءها،
واجعلنا ممّن إذا أذنب استغفر، وإذا ضلّ اهتدى، وإذا تعب احتمى بك.
فما الحياة إلا رحلة قصيرة بين ذنبٍ وتوبة، وبين دمعةٍ ورحمة، وبين قلبٍ يبحث عن الله وقلبٍ وجده.
وطوبى لمن سار إلى النور ولو بقدمٍ متعبة، لأن الله يرى صدق الخطوات قبل أن تبلغ الطريق
