السامريون: حُرّاسُ الأثر… بين الذاكرة والوجود

السامريون: حُرّاسُ الأثر… بين الذاكرة والوجود
في تخوم التاريخ، حيث تمتزج الحكاية بالقداسة، وتتشابك الذاكرة بالهوية، تقف الطائفة السامرية كنجمةٍ صغيرةٍ لا تنطفئ، رغم تقلّص عددها واشتداد رياح القرون عليها. إنهم “الشامِرون”—كما يسمّون أنفسهم—أي الحافظون، لا للكتب وحدها، بل للمعنى الكامن وراءها؛ معنى العهد، والوصية، والانتماء إلى أصلٍ يرفض الذوبان. السامريون جماعة دينية عرقية تعود بنسبها—وفق معتقدها—إلى بني إسرائيل، لكنها تفترق عن اليهودية في تأويل النص ومركز القداسة. فهم يرون أن التوراة التي بين أيديهم هي النص الأصلي غير المحرّف، وأن جبل جرزيم، لا أورشليم، هو القلب النابض للعبادة، ومهوى الأفئدة، وموضع التجلي الإلهي. ورغم أن عددهم اليوم لا يتجاوز بضع مئات، موزعين بين نابلس وحولون، إلا أن حضورهم الرمزي يتجاوز العدد؛ فهم مثال حيّ على قدرة الأقليات على حفظ الذات وسط التحولات العنيفة للتاريخ. أولاً: الاسم… حين يصبح اللفظُ هوية تتعدد دلالات “السامرة”، وكأن الاسم نفسه مرآةٌ لتاريخٍ متعدد الطبقات. فهو: • مدينةٌ أسسها الملك عمري، • وإقليمٌ شمالي في فلسطين، • ورمزٌ توراتي لمنطقةٍ مقدسة. وتتراوح التأويلات بين نسبته إلى جبل “شامر”، أو إلى قبيلة “شمرون”، أو حتى إلى معنى “الحفظ” في العبرية. وهنا تتجلّى المفارقة الصوفية: الاسم ليس مجرد دلالة جغرافية، بل رسالة وجودية—أن تكون “سامرياً” هو أن تكون حافظاً، شاهداً، مستمسكاً بما بقي من نور البدايات. ثانياً: الأصل بين الرواية والتأويل يقف أصل السامريين عند مفترق طرق بين ثلاث رؤى كبرى: 1. الرواية اليهودية التقليدية: ترى أنهم خليط من شعوب جلبها الآشوريون بعد السبي، أي أنهم “طارئون” على الأرض والهوية. 2. الرواية الإسلامية التاريخية (عند بعض العلماء(: : تميل إلى هذا الرأي، معتبرة أنهم تهوّدوا لاحقاً. 3. الرواية السامرية الذاتية: وهي الأكثر شاعريةً وامتداداً، إذ تبدأ من آدم، مروراً بنوح وإبراهيم، وصولاً إلى موسى ويوشع، وتؤكد أنهم الامتداد “النقي” لبني إسرائيل. وهنا يبرز سؤالٌ فلسفي: هل الهوية تُبنى على الدم، أم على السرد؟ فالسامريون يختارون السرد، ويصوغون من الذاكرة نسباً، ومن الإيمان تاريخاً. ثالثاً: التاريخ… صعود الروح وانكسار الجغرافيا من الوحدة إلى الانقسام بعد عهد سليمان، انقسمت المملكة إلى شمالية وجنوبية، وكان هذا الانقسام لحظة مفصلية في تشكّل الهوية السامرية. رفض السامريون مركزية القدس، وتمسكوا بجبل جرزيم، فكان الخلاف دينياً وسياسياً واجتماعياً في آنٍ واحد. تحت ظلال الإمبراطوريات مرّ السامريون بسلسلة من الهيمنات: • الآشورية (السبي والتهجير) • البابلية (إعادة تشكيل الخريطة السكانية) • الإغريقية (هدم الهيكل وصراع الهويات) • الرومانية (تحولات دينية قاسية) كل مرحلة كانت كأنها “محنة تطهير”، يتناقص فيها العدد، لكن تتكثف فيها الهوية. في الحضارة الإسلامية يصف السامريون هذه المرحلة بأنها زمن أمان نسبي، حيث مُنحوا حرية العبادة. وتُروى قصة العهد الذي كُتب لهم في صدر الإسلام كرمزٍ للتسامح الديني. لكن مع مرور الزمن، بدأت أعدادهم بالتناقص بسبب التحول الديني والهجرة. رابعاً: العقيدة… بساطة التوحيد وعمق الرمز تقوم العقيدة السامرية على خمسة أركان أساسية، تتسم بصفاءٍ لافت: 1. وحدانية الله 2. نبوة موسى (دون غيره من أنبياء بني إسرائيل) 3. التوراة كتاباً وحيداً 4. قدسية جبل جرزيم 5. الإيمان بيوم الحساب هذه البنية العقائدية تختصر الدين إلى جوهره: إلهٌ واحد، كتابٌ واحد، مكانٌ واحد، ونهايةٌ واحدة. وكأنها محاولة لتبسيط المقدس، وحمايته من التشظي. خامساً: الحياة اليومية… حين يصبح الطقسُ هوية مثال 1: الختان يتم في اليوم الثامن بدقة صارمة، كأنه توقيع زمني على الانتماء. مثال 2: الزواج ليس مجرد علاقة، بل مشروع بقاء جماعي، في ظل قلة العدد. لذلك تُفرض قيود صارمة للحفاظ على استمرارية الطائفة. مثال 3: الطعام يمتزج فيه الحلال بالرمزي؛ فلا يجمعون بين اللبن واللحم، ويشترطون طقوساً دقيقة في الذبح، مما يعكس حضور الطهارة كقيمة مركزية. سادساً: اللغة… ذاكرةٌ تتكلم تعددت لغاتهم بين العبرية والآرامية والعربية، لكن اللغة السامرية ليست مجرد أداة تواصل، بل وعاءٌ للتراث. فنصوصهم تُكتب أحياناً بثلاث لغات في آنٍ واحد، وكأنها تقول: “نحن هنا… في كل زمن، وبكل لسان”. سابعاً: المقدس… جغرافيا الروح يحتل جبل جرزيم مركز القلب في العقيدة السامرية. ليس مجرد مكان، بل مسرحٌ للقصص الكبرى: • عليه قدّم نوح قربانه • وعليه همّ إبراهيم بذبح ابنه • وعليه قامت العبادة الأولى إنه، بلغة صوفية، “محور التجلي”، حيث يلتقي الأرضي بالعلوي. ثامناً: الأعياد… الزمن حين يصبح عبادة تنقسم أعيادهم إلى نوعين: أعياد الحج (إلى جرزيم): • الفصح • الفطير • الحصاد • المظال أعياد بلا حج: • رأس السنة • الغفران في عيد الفصح مثلاً، يذبحون القرابين بأيديهم على الجبل، في مشهدٍ يعيد تمثيل الخروج من مصر، لا كذكرى، بل كحدثٍ حيّ. خاتمة: السامريون… درسٌ في البقاء ليست قصة السامريين مجرد فصلٍ في كتاب التاريخ، بل تأملٌ في معنى الاستمرار. كيف يمكن لجماعةٍ صغيرة، محاصرة بالتغيرات، أن تبقى؟ الجواب يكمن في ثلاث كلمات: الإيمان، الذاكرة، والانضباط. لقد اختار السامريون أن يكونوا “حرّاس المعنى”، لا “أتباع العدد”. فبقوا—قليلين في الجسد، عميقين في الأثر. مراجع مقترحة للتوسّع • ابن حزم، الفصل في الملل والأهواء والنحل • المقريزي، الخطط • Montgomery, J.A., The Samaritans • Aharoni, Yohanan, The Land of the Bible • Anderson & Giles, The Keepers: An Introduction to the Samaritans

مدونة فكر أديب

مرحبًا! أنا كاتب متحمس للاكتشاف والتعلم، وأجد الإلهام في تفاصيل الحياة. أحب القراءة والغوص في عوالم جديدة من خلال الكتب، والكتابة تعبر عن أفكاري ومشاعري. تجربتي الطويلة قد أكسبتني ثراءً في الفهم والتحليل. أنا هنا لمشاركة تلك الخبرات والتفاصيل الجميلة مع الآخرين. دعونا نستمتع معًا بسحر الكلمات والأفكار.

إرسال تعليق

أحدث أقدم

نموذج الاتصال