البوليس المُفترى عليه
حين يختلط القانون بالعاطفة في الوعي الجمعي
في مجتمعاتنا، لا تُصنع صورةُ رجل الشرطة من نصوص القانون وحدها، بل تُنسَج خيوطُها في الوعي الشعبي من مواقف يومية صغيرة، ومن أحاديث عابرة، ومن تأويلات نفسية واجتماعية قد تكون أبلغ أثرًا من الوقائع نفسها. ومن هنا تنشأ تلك المفارقة المؤلمة: أن يتحوّل من يقوم بواجبه، في نظر بعض الناس، إلى متهمٍ دائم، وأن يُرى تنفيذ القانون لا بوصفه حمايةً للمجتمع، بل عدوانًا على الأفراد. هذه الإشكالية الفكرية والنفسية هي جوهر قضية «البوليس المُفترى عليه»؛ قضية تتجاوز رجل الأمن الفرد، لتلامس طبيعة العلاقة بين الدولة والمواطن، وبين الواجب والعاطفة، وبين منطق النظام ونزعة الرحمة.
بدأت الحكاية الأولى برجلٍ ثائرٍ يشكو مخالفةً مرورية، وقد بلغ به الغضب منتهاه، فكان يردد في حنق: «هذه المخالفة ظلم». تركتُه حتى هدأ، ثم بدأتُ أحاوره لأتبين موضع الظلم الذي يراه. سألته:
أَلَم تكن تسير بسيارتك في الاتجاه المعاكس؟
فأجاب في شيء من الارتباك:
بلى، ولكنني لم أقصد، كان مجرد سهو، وقد اعتذرت للعسكري، ومع ذلك حرر المخالفة.
هنا تتجلّى أولى صور الخلل المنطقي في التفكير الاجتماعي: الخلط بين النية الشخصية والفعل الموضوعي. فالقانون لا يُبنى على الأعذار النفسية وحدها، وإلا لانفرط عقد النظام. السهو في القيادة قد يودي بحياة إنسان، والاتجاه المعاكس ليس زلةً بريئة بقدر ما هو احتمالٌ مفتوح على الكارثة. من هنا يصبح تحرير المخالفة ليس قسوةً، بل صورةً من صور الرحمة العامة التي تحمي المجتمع كله.
غير أن الرجل، بعد أن بدا كأنه اقتنع، فاجأني بسؤال يكشف عن عمق أزمة الثقة:
أحقًّا تفرضون على العساكر عددًا معينًا من المخالفات كل يوم؟
ولما أبديت دهشتي، أردف قائلًا:
سمعت أن هذه إحدى وسائل الحكومة لسد العجز في الميزانية!
هذه العبارة، على ما فيها من غرابة، ليست مجرد رأي فردي، بل هي انعكاسٌ لنمطٍ ذهني شائع، يرى السلطة دائمًا من زاوية الشك والريبة، ويُسقط على أفعالها أسوأ التفسيرات الممكنة. الأخطر في الواقعة أن قائل هذا الكلام أستاذٌ جامعي كبير؛ أي إن مصدر الفكرة ليس جاهلًا بسيطًا، بل عقلٌ يُفترض فيه أن يصنع وعي الأجيال. وهنا تتسع الدائرة من موقفٍ شخصي إلى مشكلة ثقافية: كيف نُنشئ جيلًا يؤمن بعدالة القانون إذا كان بعض من يعلّمونه يزرع في ذهنه بذور الارتياب في أصل العدالة نفسها؟
أما القصة الثانية، فهي أكثر دلالةً على البعد النفسي والاجتماعي للمسألة. ففي أحد شوارع الإسكندرية، كان شرطيٌّ يمسك ببائعٍ متجول لا يحمل ترخيصًا، يريد اصطحابه إلى القسم لتحرير مخالفة. انفجر البائع باكيًا، وتجمع الناس حوله، وانطلقت الأصوات ترجُو العسكري أن يتركه: «غلبان… عنده عيال».
هنا يظهر الوجه العاطفي للمجتمع المصري والعربي عمومًا؛ ذلك الميل الفطري إلى نصرة الضعيف، وإيثار الرحمة على الحزم. وهي خصلة إنسانية نبيلة في أصلها، لكنها قد تتحول — إذا انفصلت عن منطق القانون — إلى معولٍ يهدم فكرة العدالة العامة. فلو تُرك كل مخالف بدافع الشفقة، لكانت النتيجة أن يظلم المجتمع بأسره.
كان العسكري، كما بدا لي، يعيش صراعًا نفسيًا حادًا: بين ضميره المهني الذي يدفعه إلى تنفيذ القانون، وبين ضغط الجمهور العاطفي الذي يصوّر الرحمة وكأنها الفضيلة الوحيدة الممكنة. وبعد تردد طويل، حسم أمره لصالح الواجب، لكنه أراد أن يتجنب صورة «القاسي» في أعين الناس، فقال بصوت مرتفع:
«أعمل إيه؟ إذا كانوا في القسم بيقولوا لنا: كل واحد لازم يجيب عشر مخالفات في اليوم!»
كانت هذه الجملة كفيلةً بأن تغيّر اتجاه التعاطف الشعبي في لحظة؛ فإذا بالعطف ينتقل من البائع إلى الشرطي. لكن هذا التحول السريع يكشف مأزقًا أخطر: أن الشرطي لجأ، ربما بلا وعي، إلى تبرير الواجب بإلقاء اللوم على سلطة أعلى، بدل أن يقدمه بوصفه التزامًا قانونيًا أخلاقيًا مشروعًا.
من الناحية النفسية، هذا السلوك مفهوم؛ فالإنسان بطبيعته يميل إلى حماية صورته الاجتماعية، ويكره أن يبدو في هيئة القاسي المتجرد من الرحمة. لكن من الناحية الاجتماعية، فإن أثر هذه العبارة بالغ الخطورة، لأنها تُرسّخ في ذهن الجمهور أن الشرطة لا تعمل لمصلحة الناس، بل تنفذ «أوامر ظالمة» لا روح فيها. وهكذا تتكون تلك العقدة النفسية المتبادلة: الشعب يرى الشرطة أداة قمع، والشرطة ترى الشعب مصدر تعطيل ومقاومة.
ولعل جوهر المشكلة هنا ليس في القانون، بل في لغة تقديم القانون. حين يُشرح للمواطن أن منع السير عكس الاتجاه يحمي أبناءه، وأن تنظيم الباعة يحفظ الرزق الشريف ويمنع الفوضى، يصبح الامتثال أقرب إلى القناعة منه إلى الإكراه. وحين يفهم الشرطي أن الحزم لا يناقض الإنسانية، بل قد يكون أرقى صورها، فإنه لن يحتاج إلى الاحتماء بعبارات من قبيل «هذه أوامر».
في واقعنا المعاصر أمثلة كثيرة تؤكد هذا المعنى. فحين تُطبّق قوانين المرور بصرامة في بعض المدن، تنخفض الحوادث وتُصان الأرواح، رغم تذمر البعض أول الأمر. وحين تُنظَّم الأسواق العشوائية، قد يتألم أفراد محدودون في البداية، لكن المجتمع كله يجني ثمرة النظام لاحقًا: شوارع أنظف، حركة أسهل، ورزق أكثر استقرارًا. العدالة، في حقيقتها، ليست أن نرضي شعور الفرد في لحظته، بل أن نصون مصلحة الجماعة على المدى البعيد.
إن العلاقة السليمة بين الشعب والشرطة لا تقوم على الخوف، ولا على العاطفة المنفلتة، بل على الثقة المتبادلة. على الشعب أن يدرك أن رجل الشرطة ليس غريبًا عنه، بل فردٌ منه، اختصه المجتمع بمهمة شاقة: حماية القانون حتى حين يرفضه البعض. وعلى رجل الشرطة، في المقابل، أن يفهم الطبيعة الوجدانية لهذا الشعب، وأن يحسن مخاطبة عاطفته بالعقل، لا أن يصطدم بها أو يختبئ خلف أوامر مجهولة.
فإذا تحقق هذا الفهم المتبادل، ذابت العقد النفسية التي تراكمت عبر السنين، وسَهُل تنفيذ القانون، ولم يعد رجل الشرطة «مُفترىً عليه»، ولا المواطن خصمًا دائمًا للدولة. عندئذ فقط يصبح القانون قيمةً أخلاقية مشتركة، لا عصًا مرفوعة في وجه الناس، بل مظلةً تحميهم جميعًا.
وهكذا تكشف لنا قصة «البوليس المُفترى عليه» أن أزمة الثقة ليست في النصوص، بل في العقول والقلوب؛ في الطريقة التي نرى بها السلطة، وفي الكيفية التي نفسر بها الواجب. وما لم نُصلح هذا الوعي الجمعي، سيظل الشرطي في نظر البعض ظالمًا، ولو كان في الحقيقة حارسًا لسلامتهم، وسيظل المواطن في نظر الشرطي معطّلًا، ولو كان مدفوعًا بعاطفة الرحمة. وبين هذين التصورين المتقابلين تضيع العدالة، حتى نتعلم جميعًا أن القانون، حين يكون عادلًا، هو أسمى صور الرحمة بالعامة، وإن بدا قاسيًا على الفرد.
