هيلين طروادة سيرة الجمال الذي أشعل العالم

هيلين طروادة سيرة الجمال الذي أشعل العالم
من زفاف الآلهة في اليونان إلى رماد المدن: حكاية امرأةٍ صارت قدرًا ، يلهب الخيال لم تبدأ حكاية هيلين يوم وقفت على أسوار طروادة، تتأمل السفن التي جاءت باسمها ، ولا يوم امتدت يد باريس إليها في أسبرطة، ولا حتى يوم انشقت السماء عن تفاحة ذهبية – في صراع الآلهة – كُتب عليها: «للأجمل». لقد بدأت قبل ذلك بكثير؛ في طبقاتٍ أعمق من الزمن، حيث تتداخل رغبات الآلهة بمصائر البشر، وحيث لا يكون الجمال نعمةً ، بقدر ما يكون لعنةً مؤجلة. كانت الحرب، في «إلياذة» هوميروس، قد بلغت عامها العاشر؛ تعب الحديد، وشاخت الخيول، وامتلأت الأرض بأسماء الموتى. لكن السرد، حين يُعاد تخييله دراميًا، يكشف أن الشرارة الأولى لم تكن حربًا، بل خوفًا: صرخة كاساندرا عند ميلاد باريس، وهي ترى بحدسها المأساة تتخلّق في هيئة طفل: «اقتلوه!» صرخةٌ لم تكن موجهة إلى طفل رضيع، بل إلى المستقبل الغامض نفسه.  حين كان الجمال مشروع كارثة في البدء كان زفاف بيليوس وثيتيس؛ زفافٌ نصفه إلهي ونصفه بشري، لكنه كان مكتوبًا عليه أن يُنجب بطلًا ويوقظ خرابًا. و يدمر و يقتل ، و تسيل الدماء . دُعيت آلهة الأوليمب جميعًا، إلا إريس، إلهة النزاع. وككل ما يُقصى من الولائم، عاد في صورة انتقام. ألقت تفاحةً ذهبية وسط المائدة، كأنها تلقي سؤالًا في قلب الوجود: من الأجمل؟ هنا تبدأ الفلسفة الخفية للأسطورة: ليس الخراب وليد الكراهية، بل وليد المفاضلة بين الرغبات. هيرا عرضت الملك، وأثينا عرضت الظفر في الحرب، وأفروديت عرضت ما هو أخطر من المُلك والنصر: أجمل امرأة في العالم. كان باريس، الراعي الخارج لتوّه من براءة الجبل، ينظر إلى العالم بعين من لم تختبره السلطة بعد. في داخله حوارٌ صامت، نفسي، متشظٍّ بين ما يُعاش وما يُتخيَّل: ما حاجتي إلى ممالك لم أر حدودها؟ ما جدوى السلاح لرجلٍ لم يتعلم بعدُ أن يخاف؟ لكن الجمال المفرط… الجمال وحده شيءٌ يمكن لمسه، افتقاده، والاحتراق به. وهكذا اختار أفروديت، ولم يكن يدرك أنه لم يختر امرأة، بل اختار مبدأ الرغبة الجامحة نفسها، ذلك المبدأ الذي يحوّل الأمم إلى حطب. يحول الإنسان إلى وحش ، و يجعل الآلهة جمهرا يشجع الطرفين .  هيلين: امرأة أم استعارة كونية؟ هيلين ليست شخصية تُروى في التاريخ ، بقدر ما هي فكرة تتكرر بصور ما و أشخاص غير . ابنة زيوس وليدا، المولودة من البيضة، تحمل منذ أصلها انقسامًا وجوديًا: نصفها بشري يخاف من قوة أعظم ، ونصفها سماوي يظل بعيدًا عن اللوم. كان جمالها، في الخيال ، شيئًا يسبقها إلى الأمكنة ، فتفتح لها الأبواب . لا تدخل مجلسًا إلا دخلت معه احتمالات الخراب و الدمار . ولا يراها رجل إلا رأى نفسه أقل مما يطمح أن يكون. هنا يكمن عمقها النفسي والاجتماعي: هيلين ليست فقط «الجميلة»، بل المرآة التي تكشف هشاشة الرجال. مينلاوس رأى فيها شرعية المُلك. باريس رأى فيها انتصار الرغبة. ثيسيوس رأى فيها شهوة القوة. والشعراء رأوا فيها السؤال الأبدي: هل المرأة سبب الحرب، أم أن الحرب كانت تبحث عن ذريعة جميلة تنطلق باسمها ؟  في داخل هيلين نفسها، كما توحي النصوص اللاحقة، وخصوصًا عند يوربيديس، يتشكل وعيٌ مرير بالذات: هل أنا من هربت؟ أم أن العالم كله كان يهرب نحوي؟ هل أنا امرأةٌ أم اسمٌ يعلّق عليه الرجال هزائمهم؟ هذا الحوار العاطفي الداخلي هو ما يمنحها بعدها النفسي العميق: إنها تعيش اغترابًا عن صورتها، كأن الجمال الذي منحها المجد قد صادر منها حقيقتها الإنسانية.  باريس وأسبرطة: حين صار الحب ذريعةً للتاريخ حين وصل باريس إلى أسبرطة، لم يكن الطريق بين تحكيمه للإلهات ووصوله إلى هيلين مستقيمًا، بل متعرجًا مثل رغبات النفس نفسها. كان قد عرف الحب من قبل مع الحورية وينون النابضة بالحياة، وعرف الألفة الهادئة التي يمنحها الجبل، لكنه ترك ذلك كله حين اكتشف أصله الملكي. هنا يدخل البعد النفسي لباريس: لقد انتقل من هوية الراعي إلى هوية الأمير، ومن البساطة إلى التمثيل. صار عليه أن يكون الرجل الذي اختارته الآلهة، لا الرجل الذي كانه. وعندما التقت عيناه بعيني هيلين ، شعاع من رحيق البرق ، بدا المشهد في جوهره حوارًا بلا كلمات: باريس: أهذه هي الجائزة أم بداية العقوبة؟ هيلين (في صمتها): أهذا الرجل جاء من أجلي أنا ، أم جاء ليأخذ من العالم ذريعةً لحربه الدامية ؟ في بعض الروايات، اختُطفت. وفي أخرى، اختارت. لكن الأدب الأعمق لا ينشغل بالفعل الخارجي بقدر انشغاله بما يسبقه من فراغ نفسي: ذلك الشعور الخفي بأن الحياة الراسخة التي يحيها البشر، مهما كانت مريحة، قد تخفي عطشًا مجهولًا إلى المجهول.  الحرب: الجمال حين يتحول إلى آلة موت لم تكن حرب طروادة حربًا على نيل امرأة، بل حربًا على المعنى الذي تمثله المرأة: الشرف، الرغبة، الملك، الكبرياء، الثأر. عشر سنوات من الإعداد، وعشر من الحصار؛ عشرون عامًا تمر على هيلين بين مغادرتها أسبرطة وسقوط المدينة. وهنا تتجلى المأساة النفسية في أصفى صورها: الزمن نفسه يصبح قاضيًا. كانت هيلين على الأسوار ترى الجثث تتكاثر باسمها، فتغوص في شعور وجودي خانق: أيُّ ذنبٍ يكفي كل هذا الدم؟ هل يمكن لوجهٍ واحد أن يبرر موت الآلاف؟ أم أنني مجرد اسمٍ على لافتة الحرب، بينما الأسباب الحقيقية أعمق وأقدم من قلبي؟ هذا هو التحليل الاجتماعي الأهم في الأسطورة: المجتمعات الذكورية كثيرًا ما تُسقط أزماتها البنيوية على جسد امرأة، فتجعلها «السبب» كي لا تنظر إلى عنفها الأصلي.  ما بعد السقوط: الفراغ الذي يلي الأسطورة أكثر ما يوجع في حكاية هيلين ليس الحرب، بل ما بعدها. ماذا يحدث للرموز حين تنتهي وظيفتها التاريخية؟ تستعيدها بعض الروايات إلى مينلاوس، فيلين حين يراها. وفي روايات أخرى تُشنق في رودس، كأن العالم أراد أن ينتقم من صورته فيها. وفي نصوص لاحقة، تتزوج أخيل في جزيرة الأرواح الهائمة ، حيث الجمال أخيرًا بلا دم. لكن الفجوة الكبرى تبقى في نفس هيلين نفسها: كيف تعيش امرأةٌ بعد أن صارت أسطورة؟ هنا يتجلى البعد الوجودي الأخير: حين ينتهي كل شيء، هل أعود امرأة أم أصبح أسطورة يتداولها الناس؟ أم أبقى إلى الأبد ذلك الوجه الذي علّقت عليه الحضارات خوفها من الرغبة؟ إن هيلين، من هوميروس إلى هوليوود في عصرنا ، ليست مجرد «أجمل امرأة في العالم»، بل النص الذي كتبت عليه الإنسانية صراعها بين الحب والسلطة، بين الجسد والمجد، بين الرغبة والخراب. إنها ليست سبب الحرب، بل مرآتها. وفي تلك المرآة، لا نرى هيلين وحدها، بل نرى أنفسنا ، و قد صرنا أسطورة تحكى .

مدونة فكر أديب

مرحبًا! أنا كاتب متحمس للاكتشاف والتعلم، وأجد الإلهام في تفاصيل الحياة. أحب القراءة والغوص في عوالم جديدة من خلال الكتب، والكتابة تعبر عن أفكاري ومشاعري. تجربتي الطويلة قد أكسبتني ثراءً في الفهم والتحليل. أنا هنا لمشاركة تلك الخبرات والتفاصيل الجميلة مع الآخرين. دعونا نستمتع معًا بسحر الكلمات والأفكار.

إرسال تعليق

أحدث أقدم

نموذج الاتصال