من قتل رابين؟
قراءةٌ في سيكولوجيا الجريمة السياسية وفلسفة الاغتيال
قبل أن أطرق إل هذه الجريمة ، أود أن أشير إلى أت اليهود مشهورون قديما بقتل أنبيائهم ، أما في عصرنا الحالي ، فالمشهود لهم قتل الزعماء و القادة
ليس السؤال: من أطلق الرصاص على إسحاق رابين؟ فالإجابة القانونية المباشرة معروفة: إيجال عامير، الطالب اليميني المتطرف، هو من نفّذ الاغتيال مساء 4 نوفمبر 1995 في تل أبيب.
لكن السؤال الأعمق، والأكثر خصوبةً في البحث الاجتماعي والفلسفي، هو: من صنع القاتل؟ ومن هيّأ البيئة النفسية والرمزية التي جعلت الاغتيال ممكناً؟
هنا ينتقل النص من وصف الجريمة إلى تحليل بنية الجريمة؛ من اليد التي ضغطت الزناد، إلى العقل الجمعي الذي شرعن الفعل، وإلى اللغة السياسية التي مهّدت له، وإلى البنية القانونية والأمنية التي أخفقت في منعه. فالجريمة السياسية الكبرى لا تُولد من فراغ، بل من تراكمات خطابية ونفسية وأيديولوجية تجعل الفرد يظن أنه لا يقتل إنساناً، بل “ينفّذ حكماً”، ولا يرتكب جريمة، بل “ينقذ أمة”.
أولاً: من الفاعل الجنائي إلى الفاعل الرمزي
في المستوى الجنائي البحت، تثبت الوقائع أن إيجال عامير أطلق رصاصتين أصابتا رابين في الظهر والصدر بعد مهرجان جماهيري داعم للسلام واتفاقيات أوسلو، فأردته قتيلاً بعد وقت قصير في مستشفى إيخيلوف.
غير أن علم الاجتماع القانوني يرفض اختزال الجريمة في الفاعل الفردي وحده؛ لأن كل جريمة سياسية كبرى هي حصيلة شبكة من الفاعلين الرمزيين:
1. الفاعل المباشر: القاتل.
2. الفاعل المحرِّض: الخطاب الأيديولوجي الذي يشرعن العنف.
3. الفاعل السلبي: المؤسسات التي رأت مؤشرات الخطر ولم تتدخل بفعالية.
4. الفاعل الجمعي: الجمهور الذي يحوّل الخصم السياسي إلى “خائن”.
5. الفاعل الثقافي: الموروثات التأويلية التي تُسقِط مفاهيم دينية على الواقع السياسي.
وعليه، فإن من قتل رابين ليس فرداً فقط، بل ثقافة سياسية مأزومة أنتجت فرداً قابلاً للقتل.
ثانياً: التحليل النفسي الجنائي لشخصية إيجال عامير
من منظور علم النفس الجنائي، لا يكفي وصف عامير بأنه “متطرف”، بل يجب فهم البنية الذهنية التي تسمح للفرد بتحويل الاغتيال إلى واجب أخلاقي.
آلية نزع الإنسانية
حين يُصوَّر الخصم على أنه خائن، أو خطر وجودي، أو عدوّ للأمة، تتراجع صورته الإنسانية.
في هذه اللحظة لا يرى الجاني إنساناً من لحم ودم، بل يرى رمزاً يجب إزالته.
هذا ما يُعرف في علم النفس الاجتماعي بـ dehumanization، أي تجريد الآخر من صفته البشرية، وهي المرحلة التي تسبق معظم الجرائم السياسية والإبادات الجماعية.
مثال تفسيري:
حين تُعلّق صور رابين بلباس نازي، أو يُصوَّر في مرمى بندقية، فهذه ليست شعارات عابرة، بل تمرين بصري على القتل الرمزي يسبق القتل المادي.
وهم الخلاص الجماعي
عامير لم يتحرك بدافع شخصي محض، بل تحت تأثير ما يسميه علم نفس الجريمة رسالة الخلاص الموهومة؛ أي اعتقاد الجاني أن جريمته ستحمي الجماعة من كارثة.
وهذا النمط نجده في:
• الاغتيالات الأيديولوجية
• الإرهاب العقائدي
• جرائم التطرف الديني
• الاغتيالات الثورية
في هذه الحالات، يشعر القاتل بأنه أداة للتاريخ، لا مجرد مجرم.
الطاعة لفكرة أعلى
حين يذوب الفرد في فكرة مطلقة، تتراجع المحاسبة الأخلاقية الذاتية.
الفرد لا يقول: أنا قتلت، بل يقول: الفكرة قتلت من خلالي.
وهنا تكمن أخطر صور الجريمة: تشيؤ الضمير.
ثالثاً: “دين روديف” بوصفه غطاءً قانونياً متخيلاً
أخطر ما في اغتيال رابين أن القاتل لم يقدّم فعله بوصفه نزوةً، بل بوصفه تنفيذاً لشرعية دينية متخيلة استندت إلى مفهوم دين روديف، أي “قانون المطارد” في بعض التأويلات الفقهية اليهودية التقليدية.
هنا نواجه إشكالية فلسفية–قانونية شديدة العمق:
كيف يتحول النص الديني من أداة لحماية الحياة إلى أداة لتبرير إنهائها؟
الجواب يكمن في الانتقال من النص إلى التأويل المؤدلج.
فكل منظومة قانونية أو دينية يمكن أن تتحول إلى أداة عنف حين تُقتطع من سياقها وتُحمّل بوظيفة سياسية.
مثال مقارن
كما استُخدمت مفاهيم “الخروج على الجماعة” أو “الخيانة العظمى” في بعض السياقات العربية لتبرير اغتيالات سياسية، استُخدم هنا مفهوم الروديف لإضفاء هالة “الواجب المقدس” على القتل.
وهنا لا يصبح النص سبباً، بل التأويل العدائي للنص.
رابعاً: فلسفة الجريمة السياسية — حين تقتل اللغة قبل الرصاص
الاغتيال السياسي يبدأ دائماً من اللغة.
الرصاصة هي الفعل الأخير، أما البداية فهي:
• الشتيمة
• التخوين
• نزع الوطنية
• شيطنة الخصم
• تخليق عدو داخلي
قبل اغتيال رابين، سادت شعارات من قبيل: “رابين خائن” و “الموت لرابين”.
هذه اللغة لا تصف الواقع، بل تصنع واقعاً نفسياً يسمح بالعنف.
التحليل الفلسفي
في الفلسفة السياسية، حين يفقد الخصم شرعيته الرمزية، يصبح وجوده قابلاً للإلغاء.
وهنا يتحول الخلاف من:
صراع برامج
إلى
صراع وجود
وهذا هو المنعطف الذي تولد فيه الجريمة السياسية.
خامساً: المسؤولية القانونية للمؤسسات — فشل الأمن أم فشل الدولة؟
تكشف هذه القضية عن سؤال قانوني بالغ الأهمية:
هل تتحمل المؤسسات مسؤولية غير مباشرة عن الجريمة؟
تشير الوقائع إلى أن جهاز الأمن الداخلي كان على علم بتطرف عامير، لكنه لم يقدّر خطره التقدير الكافي.
من منظور علم الإجرام المؤسسي، هذا يدخل في إطار:
1) فشل إدارة الخطر
حين تتوفر مؤشرات:
• تطرف أيديولوجي
• تهديدات معلنة
• سوابق عنف
• سلوك مراقب
ثم لا تُترجم إلى إجراءات وقائية، فإننا أمام فشل في تحليل السلوك الإجرامي.
2) قصور الأمن الوقائي
الجرائم السياسية الكبرى لا تُمنع بالقوة فقط، بل بـ:
• تحليل الخطاب
• مراقبة دوائر التحريض
• تقييم المؤشرات السلوكية
• الحماية الديناميكية للشخصيات المستهدفة
اغتيال رابين أصبح مثالاً كلاسيكياً في دراسات إخفاقات الأمن الوقائي.
سادساً: الأثر الاجتماعي — اغتيال الفرد أم اغتيال المشروع؟
في المنظور الاجتماعي، لم يكن الهدف الحقيقي هو جسد رابين، بل المشروع الذي يمثله.
لقد مثّل رابين، في تلك اللحظة، انتقالاً من منطق الحرب إلى منطق التسوية، ومن الصدام الصفري إلى التسوية السياسية عبر أوسلو.
لذلك فإن اغتياله لم يكن اغتيال رجل فقط، بل:
• اغتيال أفق سياسي
• اغتيال إمكان السلام
• اغتيال الثقة بين المعسكرات
• اغتيال مركزية الدولة لصالح الشارع المتطرف
ومن هنا وُصف اغتياله في بعض الأدبيات بأنه من أكثر الاغتيالات السياسية “نجاحاً” من حيث تحقيق غايته: تعطيل المسار السياسي.
سابعاً: مثال علمي مقارن في تحليل الجريمة السياسية
لفهم المسألة بمنهج علمي، يمكن مقارنة اغتيال رابين بثلاثة نماذج:
اغتيال السادات
التشابه:
• شرعنة دينية للعنف
• اتهام بالخيانة
• قاتل يرى نفسه منفذاً لحكم أعلى
اغتيال جون كينيدي
التشابه:
• الصدمة الوطنية
• ظهور نظريات المسؤولية المركبة
• تحول الاغتيال إلى سؤال تاريخي مفتوح
اغتيال شينزو آبي
التشابه:
• أثر الاغتيال على المزاج الانتخابي
• تحول الضحية إلى رمز سياسي بعد الموت
هذه المقارنات تؤكد أن الجريمة السياسية ليست فعلاً معزولاً، بل نقطة تقاطع بين النفس، والسياسة، والقانون، والرمز.
ثامناً: من قتل رابين؟ الجواب الفلسفي
الجواب الفلسفي الأعمق هو:
قتل رابينَ التعصبُ حين لبس ثوب القانون، وقتله التحريضُ حين تزيّا بلباس الوطنية، وقتله الفشلُ المؤسسي حين نام على إشارات الخطر.
إيجال عامير كان الإصبع، لكن الذي ضغط الزناد فعلياً هو:
• الاستقطاب
• الخطاب العدائي
• التأويل الديني المسيس
• فشل الدولة في إدارة الكراهية
الجريمة هنا ليست جريمة فرد، بل جريمة بنية ثقافية كاملة.
خاتمة
إن اغتيال إسحاق رابين يكشف بجلاء أن أخطر الجرائم ليست تلك التي تُرتكب في الظلام، بل تلك التي تنضج في وضح النهار داخل اللغة والرموز والخطب والشعارات.
فالقاتل الحقيقي ليس دائماً من يحمل السلاح، بل من:
• يصنع صورة العدو
• ينزع عنه إنسانيته
• يمنح القتل شرعية أخلاقية
• يحوّل الخصومة السياسية إلى حرب مقدسة
ومن ثمّ، فإن السؤال “من قتل رابين؟” لا يُجاب عنه باسم شخص فقط، بل باسم مرحلة تاريخية كاملة بلغ فيها الانقسام ذروته، فصار الرصاص خاتمةً منطقيةً للخطاب.
مراجع عربية
1. عبد الوهاب المسيري، اليهود واليهودية والصهيونية.
2. عزمي بشارة، في المسألة العربية: مقدمة لبيان ديمقراطي عربي.
3. محمد عابد الجابري، العقل السياسي العربي.
4. سعد الدين إبراهيم، المجتمع المدني والتحول الديمقراطي.
مراجع أجنبية
1. Charles Enderlin, Shattered Dreams: The Failure of the Peace Process in the Middle East.
2. Britannica, Assassination of Yitzhak Rabin.
• Dan Ephron, Killing a King: The Assassination of Yitzhak Rabin and the Remaking of Israel.
• Ami Pedahzur, The Israeli Secret Services and the Struggle Against Terrorism.
• Max Weber, Politics as a Vocation.
