حكمت المحكمة مأساةُ زوجين على عتبة القضاء

حكمت المحكمة مأساةُ زوجين على عتبة القضاء
في ذلك الأسبوع، لم يكن بطل المشهد وزيرًا يوقّع القرارات، ولا معلّمةً تلقّن الصغيرات حروف الأبجدية، بل كان القضاء نفسه، جالسًا في هدوئه المهيب، يصغي إلى حكاية بيتٍ انهار من الداخل قبل أن تسقط جدرانه. كانا يقفان أمام المنصّة كأنهما شظيتا مرآةٍ واحدة: هو مديرٌ عامٌّ بإحدى الوزارات، رجلٌ اعتاد أن تُفتح له الأبواب قبل أن يطرقها، وأن تُجاب أوامره قبل أن تُقال. وهي معلّمةٌ بمدرسة للبنات، امرأةٌ قصيرةٌ ممتلئة الجسد في افراط ، سمراء القسمات، تحمل في عينيها بقايا تعبٍ طويل، كأنهما ليلتان لم تناما منذ أعوام. لكن ما الذي يحدث حين يعود رجل السلطة إلى بيته، فلا يجد بيتًا؟  عاد الزوج من عمله في ذلك المساء كما يعود كل يوم، مثقلًا بغبار الملفات ورتابة المكاتب، يحمل في رأسه صخب الوزارة، وفي قلبه رغبةً صغيرة في دفء البيت؛ رائحة الطعام، ضحكة طفل، وصوت زوجةٍ تسأله عن يومه. وقف أمام الباب، طرقه مرةً، ثم أخرى. الصمت. صمتٌ لم يكن مألوفًا، صمتٌ كثيف كأن البيت ابتلع نفسه. أخرج المفتاح من جيبه بيدٍ مترددة، كأن حدسًا غامضًا كان يهمس له أن لا يفتح، أن يظلّ واقفًا عند العتبة حيث لا تزال الحياة محتملة. لكنّه فتح. وفي اللحظة التي انفرج فيها الباب، انفرج في داخله شيءٌ آخر… شيءٌ يشبه الهاوية. كان البيت خاليًا ، لا زوجة. لا طفلان يركضان في الممر. لا أريكة اعتادت أن تحفظ شكل جلسته. لا مائدة. لا ستائر. لا راديو. لا تلفاز ، حتى العود الذي شهد ليالي الصفاء بينه و بين زوجته ، حيث كانت أصابعه تعبث بالأوتار لتستعيد ما فقده النهار من حنان، لم يترك له إلا أثرًا شاحبًا على الجدار. جلس على البلاط البارد. شعر أن ساقيه خانتاه، وأن الأرض تسحبه إلى دوامةٍ بلا قرار. "ما الذي حدث؟" قالها في سرّه أولًا، ثم سمعها كأن شخصًا آخر يهمس بها من زاويةٍ مظلمة في البيت. أيمكن أن يكون لصوصٌ قد اقتحموا المنزل ؟ لكن أيّ لصٍّ هذا الذي يسرق الأثاث ويترك الجدران ؟ وأيّ جريمةٍ أغرب من أن تُسرق الزوجةُ والأطفالُ مع المقاعد والملابس ؟ راح يستعيد الصباح كمن ينبش ذاكرته بحثًا عن خيط نجاة. لقد كانت زوجته معه على مائدة الإفطار. كانت مشرقةً على غير عادتها، بتسم ابتسامة في هدوءٍ غامض. ودّعته حتى الباب، بقبلة دافئة ،وأرسلت خلفه تحيةً دافئة ، و دعوة حارة . أتكون تلك الحرارة الأخيرة مجرّد قناع ؟ هل كان الوداع وداعًا حقًا، لا تحية صباح ؟ ارتجف من الفكرة. "أكلُّ هذا كان مدبّرًا؟" نهض أخيرًا، مدفوعًا بجنون الأسئلة، وتوجّه مسرعًا إلى بيت أسرتها. فتحت له الحماة الباب، ووقفت كأنها حارسُ سرٍّ قديم. قال بلهفةٍ اختلطت فيها الكرامة بالرجاء: — أين هي ؟ أجابته ببرودٍ جاف: — موجودة… لكنها ترفض مقابلتك. كانت الجملة كصفعةٍ ثانية، أشدّ من صفعة البيت الخالي. خرج من عندها تتبعه ظلال الهزيمة، ومضى إلى قسم الشرطة، يحرّر بلاغًا بسرقة كل شيء: الأثاث، الملابس، الراديو، التلفاز ، العود، حتى بوليصة التأمين على الحياة. ثم وقف أمام المحكمة يطلب، بصوتٍ أراد له أن يبدو ثابتًا: — أطلب الحكم بدخولها في طاعتي. لكن الكلمات، في عمقها، لم تكن سوى محاولة رجلٍ لاستعادة عالمٍ أفلت من قبضته.  حين وقفت الزوجة أمام القاضي، لم تبدُ منهزمة، بل بدت كمن حملت سنواتها الثقيلة أخيرًا ووضعتها على الطاولة. رفعت رأسها وقالت بصوتٍ هادئ، غير أن تحت هدوئه جمرًا مكتومًا: سيدي، لم يكن زوجي يراني زوجة… كان يراني بقرةً حلوبًا. ساد الصمت. كان التعبير قاسيًا، لكنه خرج من أعماقٍ طالما اختنقت. أكملت: أنا معلّمة، أتقاضى واحد وعشرين جنيهًا كل شهر. وكان يريد المرتب كاملًا، لا يترك لي منه مليمًا واحدًا. كأن جهدي ووقتي ووقوفي الطويل أمام التلميذات لم يكن لي، بل له. نظرت إلى القاضي، ثم إلى فراغٍ بعيد كأنها ترى حياتها من الخارج. في داخلها كان صوتٌ آخر يتكلّم: متى تحوّلتُ من امرأةٍ أحبّت إلى دفتر حساب؟ متى صار أول الشهر موعدَ جردٍ لا موعدَ حنان؟ قالت بصوتٍ هادئ مسموع: في آخر مرة سألني عن مرتبي، قلت له إنني أعطيه لأمي، فهي أولى به. وقلت له إنني زوجته، ومن حقّي عليه أن يكفيني. هنا تغيّر وجهها، كأن الذاكرة صفعتها من جديد. فثار في وجهي ثورة بركان ، وسبّني [الفاظ نابية، وضربني أمام أولادي والخدم ضربا مبرحا . صمتت لحظة، وكان في هذا الصمت تاريخٌ كامل من المرارة. ثم أضافت: لم أرد أن أثور ، فقد عودتني مهنتي أن احتفظ برباطة جأشي . انتظرتُ الصباح فقط… وحملت أولادي وبعض أثاثي، وخرجت إلى بيت أهلي. ثم رفعت عينيها بثبات: أما ملابسه والراديو والعود، فلا أعرف عنها شيئًا. كان القاضي ينصت، لكن ما بين السطور كان هناك ما هو أكبر من دعوى طاعة أو نفقة؛ كان هناك صراعٌ بين مفهومين للحياة: رجل يرى الزواج امتدادًا لسلطته، وامرأة ترى العمل حصنًا أخيرًا لكرامتها.  تقدّم محاميها يطلب نفقةً لموكلته. ودارت في القاعة مناقشاتٌ طويلة حول حقّ الزوجة العاملة في النفقة. تداخلت الأصوات، واختلط القانون بالأعراف، والحقوق بالموروثات. لكن الحقيقة النفسية كانت أعمق من النصوص: هذا الزواج لم ينكسر في يوم الرحيل، بل كان يتصدّع بصمتٍ منذ أول مرة شعر فيها أحدهما أن الآخر لا يراه إنسانًا كاملًا. بعد المرافعات، أصدرت المحكمة حكمها: رفض دعوى الطاعة، وفرض نفقةٍ قدرها اثنا عشر جنيهًا شهريًا. وحين وصل الحكم إلى الزوج، لم يناقش، لم يساوم، لم يحاول حتى أن يستردّ ما بقي من الجسر. أرسل إليها قسيمة الطلاق. هكذا سقط الستار على الفصل الأول.  لكن القصص الإنسانية لا تنتهي عند الطلاق؛ بل لعلّها تبدأ من هناك. فقد بقي كلٌّ منهما يتربّص بالآخر، كأن الحب القديم تحوّل إلى ذاكرةٍ مسمومة. لم يعودا زوجًا وزوجة، لكنهما صارا خصمين يعرف كلٌّ منهما أين يوجع الآخر. ولم يكن هناك ضحيتان في هذه الحرب الصامتة إلا الطفلان البريئان. رفع الأب دعوى يطلب ضمّ طفليه إليه. قال أمام المحكمة: إنها تقيم مع أمها، وحماتي مجنونة، وكانت تُعالج عند طبيبٍ نفسي. كان الاتهام هذه المرة أشدّ قسوة؛ لم يعد نزاعًا على مالٍ أو أثاث، بل على أهلية الأمومة نفسها. وقفت المطلّقة، وعيناها تشتعلان بجرحٍ جديد: هذا غير صحيح. وهو غير أمينٍ عليهما. في تلك اللحظة، لم تعد القضية قضية زوجين فشلا في العيش، بل قضية طفلين يُسحبان بين يدين متخاصمتين، كأنهما غنيمة حرب.  إن المأساة الحقيقية في هذه الحكاية ليست سرقة الملابس، ولا الأثاث، ولا حتى الطلاق. المأساة أن بيتًا كاملًا انهار لأن كلًّا من الزوجين توقّف عن رؤية الآخر روحًا مستقلة. هو رأى في زوجته موردًا ماليًا وامتدادًا لسلطته. وهي رأت فيه جلّادًا يختزلها في راتبٍ آخر الشهر. وحين يموت الاعتراف المتبادل، لا يبقى من الزواج إلا هيكلٌ قانوني ينتظر أول ريح. أما الطفلان، فهما الضحيتان اللتان لم تقفا أمام القاضي، ولم تُسمع لهما شهادة، ومع ذلك كان الحكم الحقيقي مكتوبًا في أعينهما المرتبكتين: أن الكبار حين يعجزون عن الحب، يورّثون الصغار الخوف. وهكذا أُجّلت القضية لتنكشف مفاجآتٌ أخرى، لكن الحقيقة الأعمق كانت قد ظهرت بالفعل: لم يكن أحدهما قد سرق ملابس الآخر، بل كان كلٌّ منهما قد سرق من الآخر ما هو أثمن: الطمأنينة، والثقة، ومعنى البيت.

مدونة فكر أديب

مرحبًا! أنا كاتب متحمس للاكتشاف والتعلم، وأجد الإلهام في تفاصيل الحياة. أحب القراءة والغوص في عوالم جديدة من خلال الكتب، والكتابة تعبر عن أفكاري ومشاعري. تجربتي الطويلة قد أكسبتني ثراءً في الفهم والتحليل. أنا هنا لمشاركة تلك الخبرات والتفاصيل الجميلة مع الآخرين. دعونا نستمتع معًا بسحر الكلمات والأفكار.

إرسال تعليق

أحدث أقدم

نموذج الاتصال