عازفُ الناي الحزين سيمفونية الموت

عازفُ الناي الحزين سيمفونية الموت
كان الصباح يولد دائمًا رماديًّا في عينيه. ليس لأن الشمس لا تشرق، بل لأن الضوء كان يعبر قلبه ولا يستقر فيه. حسن سعيد ، عازف الناي الأول في كفر الشيخ ، رجلٌ بملامح هادئة كالماء الراكد، وعينين تحملان قلقًا لا يشيخ. في النهار… كان يدخل غرفة الإعدام. وفي الليل… يجلس وسط فرقة المطربة الحسناء وداد ، يعزف للحياة. بين الحبل والناي، بين المشنقة والمسرح، بين الموت والطرب… كان يعيش انشطارًا داخليًا يشبه انكسار الزجاج: شفاف، مؤلم، وصامت. اثنا عشر عامًا. اثنا عشر عامًا وهو يمشي على هذا الخيط الرفيع بين عالمين متناقضين: عالم ينتهي فيه الإنسان في دقائق… وعالم تُبعث فيه الأرواح بأنفاس الموسيقى.  كان حسن يقول دائمًا: "الناي لا يُعزَف… الناي يُنزَف." نشأ في بيت فقير، لكن مليء بالأصوات: صوت المؤذن، صياح الباعة في السوق، بكاء الأطفال في بيته، ونشيج النساء في المآتم. كل شيء كان موسيقى خامًا. في ثلاثينيات عمره الأولى، جلس في مجالس الفن، أمام وجوه كانت تمثل زمنًا كاملًا: الدكتور إبراهيم ناجي، حافظ إبراهيم، أصوات القصائد، دخان السجائر، رائحة القهوة الثقيلة، وصوت وداد الذي كان يشبه صلاة طويلة. لكن اللحظة الفاصلة… كانت عندما سمع مقدمة الناي في أغنية "آه يا ذكرى الغرام" لمحمد عبد الوهاب. حينها شعر أن شيئًا داخله انفتح. كأن الناي ناداه باسمه الحقيقي. قال لنفسه يومها: "هذا الصوت يشبه بكاء الروح… وأنا روحي تحتاج أن تبكي." ومنذ تلك اللحظة، صار الناي امتدادًا لرئتيه، لصدره، لوجعه، لذكرياته، لذنوبه التي لم يرتكبها، ولحزنه الذي لا يعرف سببه.  لكن الولادة الثانية كانت مظلمة. جريمة البار في شارع عدلي في القاهرة . شابان يُعدمان. واثنان آخران إلى الليمان. قرأ التفاصيل في الصحف. قرأ الأسماء المنشورة . الصور. التي تتصدر الخبر، الجرائم البشعة. الاعترافات. بدم بارد . في تلك الليلة، لم ينم. كان القلق رفيقه في التخت ، شعر بشيء غريب: خوف… ممزوج بفضول… ممزوج بنداء داخلي لا يفهمه. وقف أمام المرآة وهمس: "أنا أخاف من رؤية دجاجة تُذبح… لكنني أريد أن أرى إنسانًا يُعدم." كانت الفكرة مرعبة. مخجلة. شاذة. لكنها صادقة. رفع يديه إلى السماء وقال: "يا رب… أرني عدلك بعيني."  اللقاء الأول في غرفة الاعدام دخلها غرفة الاعدام كمن يدخل قبره حيًّا. ردهة طويلة. ضوء خافت. رائحة رطوبة. صمت ثقيل. حائط متآكل. وأرض باردة كأنها لا تعرف حرارة الأقدام. عندما جاء الشاب الأول، رأى وجهًا بشريًا، لا وحشًا. عينين فيهما خوف طفل. جسدًا يرتجف. شفاه تتمتم. قرأ المأمور القرار. صوت رسمي. بارد. خالي من العاطفة. ثم دخل عشماوي. رجل بلا ملامح تقريبًا. كأنه وظيفة تمشي على قدمين. الطاقية الحمراء. تقييد اليدين. الحبل. الخشبة. الهواء. ثم الصمت. سقوط الجسد لم يكن صوتًا… كان فراغًا. الفراغ الذي يسقط في القلب.  خرج حسن سعيد وهو يشعر أن صدره لا يتسع له. كأن الهواء صار سميكًا. كأن الرئة صارت أضيق من الحزن. لم يأكل لحمًا عامًا كاملًا. صار يرى الوجوه في أحلامه. يسمع صرير الحبل. يشم رائحة الخشب. صار الناي يبكي أكثر. صار صوته: • أبطأ • أعمق • أكثر شجنًا • أقل فرحًا قال لنفسه: "أنا لم أخرج من الغرفة… الغرفة خرجت معي."  المفكرة السوداء بدأ التدوين. لم تكن مفكرة عادية. كانت مقبرة ورقية. أسماء. تواريخ. جرائم. أوزان. ساعات. كلمات أخيرة. عدد السجائر. نوع الطعام. نظرات العيون. ارتجاف الأيدي. كان يكتب كما يكتب الطبيب تقريرًا… لكن بروح شاعر. كل شخص… قصة. كل عنق… حكاية. كل حبل… فصل.  الضحك الذي كان بكاءً ماجد طه. الرجل الذي ضحك في كل شيء. ضحك في التحقيق. ضحك أمام القاضي. ضحك عند الحكم. ضحك عند الطعن. ضحك في غرفة الإعدام. قال حسن في داخله: "هذا ليس ضحكًا… هذا انهيار." وعندما نطق المأمور الجملة الأخيرة، رأى الذهول. الذهول الخالص. العاري. الإنساني. قال حسن : "الكل يتساوى عند الحبل. الشجاع… الجبان… القاتل… البريء… كلهم بشر حين يسقط القناع."  الانشطار اليومي صباحًا: رائحة الموت. صوت الحديد. خشبة المشنقة. صمت الغرفة. مساءً: ضوء المسرح. تصفيق الجمهور الحار. عطر النساء الفواح. حرارة الأنفاس. فرح الجماهير. قال لنفسه: "أنا رجل بوجهين… روحين… عالمين… أحدهما يقتلني… والآخر يحييني."  كان يحدث نفسه كل ليلة: حسن " : لماذا أذهب؟" صوته الداخلي ": لأنك تبحث عن معنى." حسن : " أي معنى في الموت؟" الصوت: " معنى الحياة يظهر عند نهايتها." حسن " : لكنني أتحول إلى حجر." الصوت : "وأنت تحتاج أن تشعر لتظل إنسانًا." حسن : "أنا أتآكل." الصوت : "إذن حان وقت النجاة."  القرار في صباحٍ بارد، دخل الغرفة كعادته. وقف في الركن نفسه. شم الرائحة نفسها. رأى الحبل نفسه. لكنه شعر بشيء جديد: الاشمئزاز. الرفض. الإنهاك. نظر إلى عشماوي. رجل يؤدي عمله بلا روح. بلا كراهية. بلا حب. بلا شيء. فهم فجأة: "ليست المشكلة في الموت… المشكلة في الاعتياد." خرج. ولم يعد.  التحرر عاد إلى بيته. فتح علبة الناي. أمسكه كما يُمسك طفلًا. وضعه على شفتيه. ولم يعزف حزنًا. عزف ضوءًا. عزف شمسًا. عزف حقولًا. عزف ماءً. عزف طفولة. عزف حياة. قال: "سأجعل الناي يرقص… لن أجعله يبكي بعد اليوم."  حسن سعيد لم يكن مجرمًا. ولم يكن قديسًا. كان إنسانًا يبحث عن معنى العدالة… فوجد ثقلها. بحث عن الحقيقة في الموت… فاكتشف هشاشته. دخل غرفة الإعدام ليعرف الله… فخرج منها ليعرف نفسه. وفي النهاية، فهم الحقيقة البسيطة: "الفن لا يُخلق من الموت… الفن يُخلق من النجاة منه." عاد للناي. عاد للحياة. عاد للضوء. وترك الحبل… لأن بعض الطرق لا تُغادر الإنسان إلا حين يقرر أن ينقذ روحه بنفسه.

مدونة فكر أديب

مرحبًا! أنا كاتب متحمس للاكتشاف والتعلم، وأجد الإلهام في تفاصيل الحياة. أحب القراءة والغوص في عوالم جديدة من خلال الكتب، والكتابة تعبر عن أفكاري ومشاعري. تجربتي الطويلة قد أكسبتني ثراءً في الفهم والتحليل. أنا هنا لمشاركة تلك الخبرات والتفاصيل الجميلة مع الآخرين. دعونا نستمتع معًا بسحر الكلمات والأفكار.

إرسال تعليق

أحدث أقدم

نموذج الاتصال