إسرائيل في الكومنولث (1948):
بين وهم الانتماء وحدود الواقع
قراءة تاريخية فلسفية في مأزق الشرعية والسياسة
تمهيد: سؤال الانتماء في عالم يتداعى ويُعاد بناؤه
في أعقاب الحرب العالمية الثانية ، حين كانت أوروبا تخرج من بين أنقاضها، والعالم بأسره يعيد النظر في خرائطه ومفاهيمه، برز سؤال الانتماء بوصفه أحد أكثر الأسئلة إلحاحًا وتعقيدًا. لم يعد الانتماء مجرد هوية ثقافية أو ولاء سياسي، بل غدا سؤالًا وجوديًا يمسّ معنى الدولة، وحدود السيادة، وشروط الشرعية، ومصير الشعوب التي وجدت نفسها فجأة في قلب تحولات عاصفة.
في هذا السياق التاريخي المشحون، طرحت إسرائيل الناشئة عام 1948 سؤالها الكبير: هل يمكن لها أن تصبح جزءًا من الكومنولث البريطاني، وأن تُعامل بوصفها إحدى دول الدومنيون؟ سؤال بدا، في ظاهره، إداريًا أو بروتوكوليًا، لكنه في عمقه كان اختبارًا عسيرًا لشرعية الكيان، ومكانته في النظام الدولي الجديد، وحدود القبول به بوصفه دولة مستقرة قابلة للاندماج في منظومة سياسية كبرى.
لقد كان هذا الطلب انعكاسًا لحالة قلق وجودي، ومحاولة للبحث عن مظلة رمزية تحمي كيانًا وُلد في مهبّ الصراع، وتحيطه المخاوف من كل جانب. ومن هنا، فإن تفكيك هذا الحدث لا يكشف فقط عن معطيات سياسية، بل يفتح أبوابًا واسعة للتأمل في معنى الدولة الحديثة، وفي العلاقة بين القوة والشرعية، وبين الطموح القومي وموازين الواقع.
أولًا: الكومنولث البريطاني – من الإمبراطورية إلى رابطة المصير المشترك
لم يكن الكومنولث البريطاني مجرد تركة سياسية للإمبراطورية التي غربت شمسها، بل كان محاولة واعية لإعادة صياغة النفوذ في صورة جديدة، أقل فجاجة وأكثر مرونة. فبعد أن أنهكت الحرب بريطانيا وأضعفت قدرتها على السيطرة المباشرة، برزت الحاجة إلى نموذج بديل يحفظ لها دورها العالمي دون أن يغرقها في مستنقع الاستعمار التقليدي.
وهكذا نشأ الكومنولث بوصفه رابطة أمم تجمعها أواصر التاريخ، والمصالح الاقتصادية، والروابط الثقافية، والولاء الرمزي للتاج البريطاني. دول الدومنيون، مثل كندا وأستراليا ونيوزيلندا وجنوب إفريقيا، تمتعت بسيادة واسعة، لكنها بقيت متصلة ببريطانيا في إطار شراكة تتجاوز الشكل إلى عمق المصالح المشتركة.
في هذا الإطار، لم يكن الانضمام إلى الكومنولث مجرد إجراء قانوني، بل كان اعترافًا ضمنيًا بنضج الدولة سياسيًا، واستقرارها جغرافيًا، وقدرتها على الاندماج في منظومة قيمية وسياسية ذات قواعد صارمة. لذلك بدا طلب إسرائيل، الدولة الوليدة الخارجة لتوها من أتون الحرب، وكأنه اقتحام مبكر لفضاء لم تتهيأ بعد لشروطه الثقيلة.
ثانيًا: إسرائيل وحدود الإشكال – دولة بلا تخوم
من أبرز المعضلات التي واجهت طلب إسرائيل غياب الحدود المعترف بها دوليًا. فالدولة التي نشأت على وقع قرار تقسيم أممي، ثم تمددت في سياق حرب إقليمية ضارية، لم تكن تمتلك خطوطًا واضحة تفصلها عن جيرانها، بل مجرد خطوط هدنة مؤقتة، سرعان ما تحولت إلى بؤر توتر دائم.
في الفكر السياسي الحديث، تشكّل الحدود جوهر مفهوم الدولة. فهي ليست مجرد خطوط على الخريطة، بل هي الإطار الذي تتجسد داخله السيادة، وتتحدد ضمنه المواطنة، ويُبنى على أساسه العقد الاجتماعي. ودولة بلا حدود مستقرة ليست سوى كيان قلق، يعيش في حالة استنفار دائم، ويغذّي وجوده بالصراع المستمر.
لقد أدركت دوائر القرار البريطانية هذا المأزق بوضوح. فقبول إسرائيل في الكومنولث يعني، من حيث لا تدري، إضفاء شرعية كاملة على واقع حدودي لم يُحسم بعد، ويضع الرابطة الدولية في قلب نزاع إقليمي مفتوح. وهو ما كان يتعارض مع فلسفة الكومنولث القائمة على الاستقرار النسبي والتوازن الحذر.
ثالثًا: بين الحماية والتورط – الكومنولث ليس درعًا عسكريًا
من بين الاعتبارات الجوهرية التي حالت دون قبول إسرائيل إدراك بريطانيا أن الانضمام سيُفسر حتمًا بوصفه وعدًا بالحماية العسكرية. غير أن الكومنولث، بطبيعته القانونية والسياسية، لم يكن تحالفًا دفاعيًا، ولا إطارًا ملزمًا للتدخل العسكري المشترك.
كانت إسرائيل، الخارجة من حرب تأسيسية عنيفة، تبحث عن مظلة أمنية تحميها من احتمالات الصدام المتكرر مع جيرانها العرب. أما الكومنولث، فقد كان يسعى، بعد حرب عالمية مدمرة، إلى تجنب أي التزام قد يعيده إلى أتون النزاعات المسلحة.
هنا يتجلى الفرق العميق بين منطق القوة ومنطق التوازن. فالأول يسعى إلى تثبيت الوجود عبر التحالفات الصلبة، والثاني يراهن على الحياد النسبي وضبط الإيقاع الدولي. ومن ثم، بدا التناقض صارخًا بين تطلعات إسرائيل الأمنية وحدود ما يستطيع الكومنولث تقديمه دون أن يورط نفسه في صراع طويل الأمد.
رابعًا: البترول – شريان الحياة وميزان القرار
في عمق هذا الجدل السياسي، كان النفط العربي حاضرًا بوصفه العامل الحاسم الذي لا يمكن تجاهله. فقد كانت دول الكومنولث، ولا سيما في آسيا والمحيط الهادئ، تعتمد اعتمادًا شبه كامل على النفط القادم من الشرق الأوسط، كما كانت أوروبا بأسرها بحاجة ماسّة إلى هذا المورد لإعادة بناء اقتصادها المدمر.
امتلاك الدول العربية لهذه الورقة الاستراتيجية منحها وزنًا سياسيًا متزايدًا، وجعل أي انحياز صريح لإسرائيل مغامرة غير محسوبة العواقب. فالتضحية بعلاقات مستقرة مع العالم العربي مقابل دعم كيان ناشئ محدود الموارد بدت معادلة خاسرة بكل المقاييس.
وهنا تتجلى بوضوح جدلية المصالح والمبادئ. فالدول، مهما رفعت من شعارات أخلاقية، تبقى أسيرة حسابات الاقتصاد والطاقة والأمن. وفي لحظة ما بعد الحرب، لم يكن بمقدور بريطانيا ولا شركائها في الكومنولث المجازفة بشريان حياتهم الاقتصادي من أجل مغامرة سياسية غير مضمونة النتائج.
خامسًا: إسرائيل وفقر الموارد – حين يصبح الطموح عبئًا
كانت إسرائيل، عند نشأتها، دولة فقيرة الموارد الطبيعية، تعتمد على الهجرة الواسعة، والدعم الخارجي، والاستثمارات القادمة من الشتات. ولم يكن لديها من مقومات الاكتفاء الاقتصادي ما يتيح لها الاستقلال الحقيقي في قراراتها.
هذا الفقر البنيوي جعلها أكثر إلحاحًا في البحث عن مظلات سياسية واقتصادية كبرى، لكنها في الوقت ذاته جعلتها عبئًا محتملاً على أي تحالف تنضم إليه. فالدولة التي تفتقر إلى النفط، والاستقرار الحدودي، والسلام الإقليمي، تصبح مشروع مخاطرة لا استثمارًا مضمونًا.
وهكذا بدا طلب الانضمام إلى الكومنولث محاولة لتعويض النقص الداخلي عبر الاحتماء بقوة خارجية، في مسعى يعكس هشاشة البنية التأسيسية للدولة أكثر مما يعكس قوتها.
سادسًا: البعد الفلسفي – الدولة بين القوة والشرعية
من زاوية فلسفية أعمق، يثير هذا الملف سؤالًا مركزيًا: على أي أساس تُبنى شرعية الدولة؟ هل تنبع من القوة العسكرية وفرض الأمر الواقع، أم من التوافق السياسي والاعتراف المتبادل؟
في الحالة الإسرائيلية، بدا أن القوة سبقت الشرعية، وأن الواقع المفروض بالسلاح سبق بناء الإجماع الإقليمي والدولي. وكان طلب الانضمام إلى الكومنولث محاولة لتحويل هذا الواقع القسري إلى وضع قانوني مستقر، عبر استدعاء اعتراف منظومة دولية عريقة.
غير أن التاريخ يعلمنا أن الشرعية التي لا تُبنى على المصالحة والتوافق تظل هشة، وأن الدولة التي تقوم على الإقصاء والتهجير لا تستطيع أن تنعم باستقرار دائم. فالقوة، مهما بلغت، تبقى عاجزة عن إخماد جذوة الصراع ما لم تُرفد بحكمة سياسية وعدالة تاريخية.
سابعًا: إرث الانتداب – ذاكرة الجرح وثقل المسؤولية
لم يكن الموقف البريطاني من طلب إسرائيل منفصلًا عن إرث الانتداب في فلسطين، ذلك الإرث المثقل بالتناقضات والوعود المتضاربة. فقد وجدت بريطانيا نفسها، بعد الحرب، في مواجهة نقد أخلاقي وسياسي واسع بسبب دورها في تفجير الصراع الفلسطيني–الإسرائيلي.
أي خطوة إضافية لدعم إسرائيل كانت ستُفسر في العالم العربي على أنها استمرار للانحياز الاستعماري، وتكريس لسياسات فرض الأمر الواقع. وكانت لندن، التي خرجت لتوها من حرب طاحنة، بحاجة ماسّة إلى ترميم صورتها الدولية، وإعادة بناء جسور الثقة مع شعوب الشرق الأوسط.
ومن هنا، بدا رفض الطلب الإسرائيلي جزءًا من محاولة أوسع لإعادة التوازن إلى سياستها الخارجية، والتخفف من عبء الماضي، ولو جزئيًا.
ثامنًا: المأزق الأخلاقي – بين ذاكرة المحرقة ومأساة النكبة
لا يمكن فهم هذا الملف دون التوقف عند البعد الأخلاقي العميق الذي يحيط به. فاليهود، الخارجون من أهوال المحرقة، حملوا معهم جراحًا إنسانية هائلة، استدعت تعاطفًا عالميًا واسعًا. غير أن هذا التعاطف اصطدم بواقع مأساوي آخر: تشريد مئات الآلاف من الفلسطينيين، واندلاع حرب إقليمية تركت جروحًا لا تزال نازفة.
هنا وجد العالم نفسه أمام معادلة أخلاقية شبه مستحيلة: كيف ينصف ضحايا الأمس دون أن يصنع ضحايا اليوم؟ وكيف يحقق العدالة لشعب دون أن يهدر حقوق شعب آخر؟
في هذا السياق، بدا رفض انضمام إسرائيل إلى الكومنولث محاولة لتفادي تعميق هذا التناقض، وترك مساحة زمنية لبلورة حلول أكثر توازنًا، وإن كانت هذه الحلول لم تتجسد لاحقًا بالشكل المأمول.
تاسعًا: السياسة بوصفها فن الممكن – حدود الحلم وحدود الواقع
تكشف هذه اللحظة التاريخية عن جوهر السياسة بوصفها فن الممكن، لا فن المثال. فالدول، مهما رفعت من شعارات إنسانية، تبقى محكومة بميزان المصالح، وتوازن القوى، وحسابات البقاء.
لقد اصطدم الحلم الإسرائيلي بالانضمام إلى الكومنولث بجدار الواقع الدولي، حيث تتشابك المصالح النفطية، والحساسيات الجيوسياسية، وإرث الاستعمار، ومخاوف التورط العسكري. وكان هذا الاصطدام درسًا مبكرًا في حدود الطموح القومي حين لا يسنده واقع إقليمي متوازن.
عاشرًا: أصداء القرار في مسار الصراع
لم يكن لرفض طلب الانضمام أثر فوري حاسم في مسار الصراع العربي–الإسرائيلي، لكنه أسهم في تكريس عزلة نسبية لإسرائيل في محيطها، ودفعها إلى البحث عن تحالفات بديلة، ولا سيما مع الولايات المتحدة.
وهكذا تحولت إسرائيل تدريجيًا من مشروع يبحث عن مظلة بريطانية إلى ركيزة أساسية في الاستراتيجية الأمريكية في الشرق الأوسط، ما أعاد رسم خرائط النفوذ الدولي في المنطقة، وألقى بظلاله الثقيلة على عقود لاحقة من الصراع.
خاتمة: سؤال التاريخ المفتوح
إن طلب إسرائيل الانضمام إلى الكومنولث عام 1948، وما أعقبه من رفض مدروس، لا يمثل مجرد واقعة سياسية عابرة، بل هو لحظة كاشفة عن طبيعة النظام الدولي في مرحلة تحول كبرى. ففي تلك اللحظة، تلاقى منطق القوة مع حكمة التوازن، وتصارعت الطموحات القومية مع ضرورات الاستقرار العالمي، وتشابكت الاعتبارات الأخلاقية مع حسابات المصالح.
لقد أدركت بريطانيا، ومعها دوائر القرار في الكومنولث، أن إدخال إسرائيل في هذا الإطار لن يكون سوى تعجيل بأزمة أوسع، وأن السلام الحقيقي لا يُصنع بالتحالفات السريعة، بل بالتسويات العميقة، وبناء الثقة بين الشعوب، وإعادة الاعتبار للعدالة التاريخية.
وهكذا بقيت إسرائيل خارج الكومنولث، وظل الشرق الأوسط مسرحًا لصراع مفتوح، تتناسل فصوله مع كل جيل جديد، ويظل السؤال معلقًا في فضاء الزمن: هل كان يمكن لمسار مختلف أن يجنّب المنطقة هذا الكم الهائل من الدم والدموع؟
لعل الإجابة، مهما تنوعت، تظل رهينة بوعي الإنسان وقدرته على تحويل المأساة إلى حكمة، والصراع إلى درس، والذاكرة الجريحة إلى مشروع سلام دائم. ففي نهاية المطاف، لا تُقاس عظمة الدول باتساع حدودها، بل بقدرتها على بناء جسور العدل، وصون كرامة الإنسان، حيثما كان.
إسرائيل في الكومنولث (1948): بين وهم الانتماء وحدود الواقع قراءة تاريخية فلسفية في مأزق الشرعية والسياسة
الناشر :مدونة فكر أديب
-
