قلبٌ حائر… بين دين الوفاء ونداء الحياة
لم أكن أبحث عن حكاية، بل جاءتني الحكاية تمشي على قدمين، مثقلة بالصمت، مبللة بالأسئلة، كأنها روح فقدت طريقها بين سماء الواجب وأرض القلب.
جلست أمامي، لا بوجهها، بل برسالتها. رسالة لم تكن حبراً على ورق، بل نزفاً بطيئاً لقلبٍ أنهكه التمزق.
قالت لي – أو هكذا خُيّل إليّ –:
لم آتِك لتُنقذني، بل لأفهم. فإن عجزتَ، فدع القرّاء يكونون مراياي .
وهكذا، وجدتني عاجزاً عن الحسم، مشلول اليد أمام ميزانٍ كفّتاه من نار:
كفّة الوفاء… وكفّة الحياة.
صوت من الأعماق
عزيزي جلال… أنا في حيرةٍ لا تُحتمل. وأنت تعلم أن الحيرة حين تطول، تتحوّل إلى سجن.
كانت كلماتها الأولى أشبه باعترافٍ طويل، لا تطلب فيه العفو، بل الفهم.
قالت إنها تعرفني أخاً وفياً، ومستشاراً لا يبيع رأيه، ولا يهادن الحقيقة. لذلك جاءت… لا لتسمع ما تحب، بل ما يجب.
وأضافت، وفي نبرتها ارتجافٌ خفي:
قد تبتسم ساخراً حين تسمع قصتي، وقد تراها أبسط مما أراها… لكني أراها معضلة الحياة والموت، السعادة والشقاء .
سعيد… الرجل الذي انكسر ولم يمت
سعيد. الاسم وحده مفارقة جارحة.
رجلٌ عرف الخذلان مبكراً. فشل زواجه، لا لأنه لم يُحب، بل لأنه أحب أكثر مما يجب.
خرج من تجربته الزوجية لا نادماً ولا آسفاً، بل متعباً… مكسور الإيمان بالعالم.
كان يرى البشر كتلة واحدة من الجحود. أخلص، فخُذل. نصر القضايا، فدُفع الثمن وحده. ضحّى، فكان الغرم من نصيبه، والمجد لغيره.
أغلق قلبه… لا كرهاً، بل حماية. ومع ذلك، ظل في أعماقه ينبوع حنان لم يجف.
الطفلة… التي أصبحت عالمه
كانت هي طفلةً آنذاك.
وسعيد، زائر البيت الدائم، يجلس قرب أمّها، يستدفئ بحنوّ امرأة، ويسترد شيئاً من ثقته بالعالم.
ثم رآها… لا بوصفها طفلة، بل بوصفها دليلاً على أن الخير لم يمت.
كنتُ بالنسبة له البقية الباقية من إيمانه بالحياة
هكذا قالت، لا فخراً، بل دهشة.
كبرت… وكبر معها تعلّقه.
تحوّل الحنان إلى اعتماد. والاعتماد إلى تمركز كامل حولها.
صارت حياته. وصار وجودها سبب بقائه.
حين انقلب الحنان عشقاً
ثم جاء اليوم الذي لا يعود فيه الزمن بريئاً.
كبرت الطفلة… وانقلب الأب الحنون رجلاً عاشقاً.
اعترف. وكان الاعتراف كزلزالٍ في روحها.
نفرت. خافت. انكمشت.
كيف تحب من رأته أباً؟
كيف تقبل قلباً بني على طفولتها؟
تألم سعيد… حتى كاد يهوي إلى قاع اليأس. لكنه تماسك. ارتدى قناع الأب من جديد، وكتم النار في صدره.
غير أن الغيرة… الغيرة لا تُكتم.
كان يحترق كلما رآها تضحك مع أحد.
يتلاشى كلما لمح رجلاً في محيطها.
يعرف أنه لا يملك حق الاعتراض ، ومع ذلك… يتألم.
المنفى… حين يهاجر القلب قبل الجسد
ثم جاءت الضربة القاسية. مؤامرة أخرى. خيانة جديدة.
غادر وطنه، لا هارباً، بل مكسوراً.
في الغربة، عاش على الذكرى.
كان يصلي… لا طلباً للجنة، بل هرباً من الألم.
وكان ينتظر… لا موعداً، بل معجزة.
معجزة أن تحبه يوماً.
نذرٌ صامت
أما هي…فقد أدركت حجم المأساة. شعرت أن الواجب يُطبق على عنقها.
أن سعادتها قد تكون ثمن حياة إنسان. فنذرت نفسها. لا لله… بل للوفاء.
كما ينذر بعض الناس أنفسهم للعبادة، نذرتُ نفسي لرد الجميل
لا حب.لا زواج.لا أحلام.حياة مؤجلة… حتى لا ينكسر قلب رجلٍ عاش بها ولأجلها.
حين يأتي الحب بلا استئذان
ثم… جاء جودت. لم يأتِ كعاشق. بل كصديق مرح، ساخر، خفيف الظل.
كان يمثل نقيض سعيد: يضحك من الحياة، لا معها.يلهو، لا يتأمل.
يعيش اللحظة، لا الفكرة.
لم تحسب له حساباً. لكن الزمن… له حساباته الخاصة.
بدأ يتغير. صمتٌ بعد ضحك.تأمل بعد استهتار. انعزال بعد صخب.
ثم رأته يصلي. هو… الذي لم يكن يؤمن بشيء.
رأته يبكي بين يدي الله، كأن قلبه وُلد من جديد.
اعتراف بلا شروط
وحين اعترف…لم يطلب حباً.قال فقط:
لا أستحق قلبك، لكني أعدك أن أهبك حياتي.
تقدّم لخطبتها. نظيف الروح. مختلفاً عن ماضيه.
وهنا… انفجرت الحيرة.
هل السعادة خيانة؟ وهل الوفاء انتحار بطيء؟
قالت لي، وكأنها تحدث نفسها:
إن تزوجتُ جودت، قتلتُ سعيداً. وإن بقيتُ لسعيد، قتلتُ نفسي.
تحب جودت. حب امرأة لرجل.حب حياة.
أما سعيد…فتحبه حب الدين. حب الواجب. حب الشفقة الممتزجة بالامتنان.
والزواج بسعيد؟
فكرة تنفر منها روحها. زواج بلا نبض… بلا حياة.
وأنا… ماذا أقول؟
وقفتُ أمام رسالتها كمن يقف أمام مرآة إنسانية قاسية.
أي رأي هذا الذي قد يحدد مصير قلبين… وربما ثلاثة؟
هل أملك الحق؟
هل يملكه أحد؟
لهذا…
لم أُفتِ. ولم أحكم.بل فتحتُ الباب…ودعوتكم أنتم.
أيها القارئ، أيتها القارئة…
هذه ليست قصة حب، بل محاكمة للضمير.
هل يجب أن نعيش لنفي ديون الماضي؟
أم نملك الحق في اختيار المستقبل؟
هل الوفاء أن نضحي بأنفسنا؟
أم أن الوفاء الحقيقي ألا نكذب على قلوبنا؟
منيرة تنتظر… لا رأياً عاطفياً، بل بصيرة.فماذا تقولون؟ أي نور تهدونه لقلبٍ حائر؟
