الإرهاب بين صناعة القوة الأمريكية ووهم السيطرة قراءة نفسية-اجتماعية-منطقية في العقل الأمريكي

الإرهاب بين صناعة القوة الأمريكية ووهم السيطرة قراءة نفسية-اجتماعية-منطقية في العقل الأمريكي
ليس الإرهاب، في جوهره، كائناً هبط فجأة من فراغ التاريخ، ولا عاهةً وراثيةً لصيقةً بثقافة بعينها، بل هو—في كثير من تجلياته—نتاج عقل سياسي يرى العالم ساحة تجارب، والبشر أدوات، والجغرافيا رقعة شطرنج. ومن هذا المنظور، يمكن قراءة مقولة “الإرهاب صناعة أمريكية” لا بوصفها شتيمة أيديولوجية، بل بوصفها فرضية تحليلية تستدعي التفكيك النفسي والاجتماعي والمنطقي، بعيداً عن الانفعال، وقريباً من الوقائع. أولاً: الجذر النفسي—عقدة القوة والخوف المؤسس تقوم النفس السياسية الأمريكية، منذ نشأتها الاستعمارية، على مفارقة حادة: شعور متضخم بالقوة يقابله خوف عميق من الفقدان. هذا الخوف لم ينشأ من فراغ؛ فقد تأسست الدولة على اقتلاع الآخر: إبادة الهنود الحمر، وتدمير مصادر حياتهم، من الجاموس إلى الأرض والذاكرة. ستة ملايين جاموسة قُتلت، وسبعة ملايين من السكان الأصليين أُبيدوا أو أُزيحوا—ليس بوصفه “خطأ تاريخياً”، بل كسياسة واعية لإفراغ المكان. من هنا، تشكّل في اللاوعي السياسي الأمريكي نمطٌ ثابت: الأمن يتحقق بالإقصاء، والسيطرة تُضمن بالقوة، والآخر مشروع تهديد دائم. هذه البنية النفسية تفسر لماذا تميل الولايات المتحدة إلى صناعة “عدو” حين يغيب، أو تضخيمه حين يظهر، ثم استخدامه مبرراً للتدخل. ثانياً: الاجتماع السياسي—صناعة الفوضى بوصفها أداة حكم اجتماعياً، لا يمكن للإمبراطوريات أن تحكم العالم مباشرة إلى الأبد؛ فتبحث عن بدائل أقل كلفة: الوكلاء، الميليشيات، التنظيمات العابرة للحدود. هكذا يصبح الإرهاب أداة غير رسمية، تُدار من خلف الستار، وتُنفى عنها المسؤولية عند الحاجة. في كوبا، كان الإرهاب الاقتصادي والسياسي محاولة لخنق نموذج مغاير. وفي فيتنام وكمبوديا، تحولت الحرب إلى محرقة إنسانية في عهد نيكسون وكيسنجر، حيث قُصفت القرى باسم “مكافحة الشيوعية”، وسُحقت المجتمعات باسم “الاستقرار”. المنطق نفسه تكرر لاحقاً في أفغانستان. لم يكن تنظيم القاعدة وليد الصحراء وحدها، بل ابن الحرب الباردة. دعمت الولايات المتحدة، عبر المال والسلاح والتدريب، ما سُمّي آنذاك “المجاهدين” لإسقاط النفوذ السوفيتي. أسامة بن لادن لم يكن شيطاناً أسطورياً؛ كان نتاج لحظة سياسية استثمرت فيها واشنطن الدين، والهوية، واليأس الاجتماعي. لكن المجتمع لا يُدار إلى الأبد بالخيوط نفسها. حين خرج التنظيم عن النص، تحوّل من أداة إلى عدو. فكان “الإرهاب” الذي صُنِع، ذريعةً لحرب جديدة، لا نهاية لها. ثالثاً: المنطق السياسي—سلسلة الفشل المتكرر منطقياً، تقوم الاستراتيجية الأمريكية على افتراض بسيط لكنه خاطئ: ما صُنع بالقوة يُضبط بالقوة. غير أن التاريخ يثبت العكس. طالبان، التي نشأت على أنقاض فوضى ما بعد القاعدة، عادت لتحكم أفغانستان بعد عقدين من الاحتلال، لتخرج الولايات المتحدة “غير مأسوف عليها”، كما خرجت من قبل من فيتنام. الأمر ذاته في العراق. فغزوٌ بُني على كذبة “أسلحة الدمار الشامل” دمّر الدولة، وفتح الباب أمام تنظيمات متطرفة، كان “داعش” أبرزها. لم يظهر التنظيم من العدم؛ بل من رحم السجون، والتهميش، والفراغ الأمني. وحين خرج عن السيطرة، استُخدم مرة أخرى لتبرير تدخل جديد، وتحالف دولي، ووجود عسكري دائم. النتيجة المنطقية: كل محاولة سيطرة تولّد نقيضها. فبدلاً من استقرارٍ مزعوم، تنتج فوضى مستدامة. رابعاً: المثال العربي—من التفكيك إلى الوكالة في الوطن العربي، تجلت السياسة ذاتها بأشكال متعددة. تحريض صدام حسين على غزو الكويت مثال صارخ على لعبة الاستدراج. وحين انتهى دوره، أُعدم، لا بوصفه مجرماً فقط، بل شاهداً محتملاً على جريمة أكبر: استخدام الأنظمة ثم التخلص منها. ثم جاءت مرحلة “التنظيمات”: داعش في العراق وسوريا، ليس فقط لمواجهة إيران، بل لإعادة رسم خرائط النفوذ. وحين فشل المشروع، تُركت الساحة لميليشيات أخرى: في العراق، في سوريا، في اليمن، في لبنان. المفارقة أن هذه القوى، التي خرجت عن السيطرة الأمريكية، ارتمت في أحضان إيران، الخصم الذي كان يُفترض احتواؤه. هنا يتجلى التناقض المنطقي: صناعة عدو لمحاربة عدو، تنتهي بتقوية عدو ثالث. خامساً: إسرائيل—الحليف الذي أفلت من القبضة إسرائيل تمثل ذروة هذا التناقض. فهي مشروع مدعوم بالمال والسلاح الأمريكي، وبالغطاء السياسي الغربي، وبأشكال مختلفة من الدعم العربي. ومع ذلك، خرجت—جزئياً—عن السيطرة، تمارس عنفها بلا حساب، تضرب “أحياناً عن عمد، وأحياناً عن طريق الخطأ”، كما يُقال، لكن النتيجة واحدة: مزيد من الاحتقان، ومزيد من الإرهاب المضاد. وجود إسرائيل بوصفها قوة فوق المساءلة حوّلها من حليف إلى عبء أخلاقي وسياسي، وأسهم في إعادة إنتاج العنف في المنطقة، لا في إخماده. سادساً: الشريك الخفي—التحالفات الإقليمية لا تعمل الولايات المتحدة وحدها. فهي تحتاج دائماً إلى شريك إقليمي: حاكم يخاف على كرسيه، أو دولة تبحث عن دور أكبر من حجمها. من هنا، تتقاطع المصالح مع قوى إقليمية في ملفات مثل السودان، حيث يصبح التقسيم أداة، والفوضى وسيلة لإعادة التشكيل. هذا النمط يكشف بُعداً اجتماعياً خطيراً: تحويل الصراعات المحلية إلى حروب بالوكالة، حيث يدفع الثمن المجتمع، بينما تتبدل التحالفات فوق جثث البشر. سابعاً: الخلاصة الفلسفية—وهم السيطرة فلسفياً، يمكن القول إن العقل الأمريكي يعيش أسر وهمٍ قديم: وهم السيطرة المطلقة. يظن أن السلاح والمال كفيلان بشراء الولاء، وأن الخوف يصنع الطاعة. لكنه يتناسى حقيقة بسيطة: الإنسان ليس آلة، والمجتمع ليس عقداً مؤقتاً. الإرهاب، حين يُستخدم أداة، يتحول إلى بنية مستقلة، ذات منطقها الخاص، تتغذى على الظلم، وتعيش على الفوضى. وما يُزرع ريحاً، لا يُحصد إلا عاصفة. إن التفكير الأمريكي، كما يبدو في هذه التجارب، تفكيرٌ عقيم، لا لأنه بلا ذكاء، بل لأنه يفتقد الحكمة. فهو يرى العالم من فوهة بندقية، لا من عين إنسان. ويظن أن من يخاف على كرسيه سيبقى حليفاً أبدياً، ناسياً أن الخوف حليفٌ خائن. وهكذا، لا يكون الإرهاب قدراً، بل صناعة. ولا تكون أمريكا قد صنعت كل الإرهاب، لكنها—في كثير من المحطات—وفرت شروطه، ورعته، ثم وقفت مذهولة أمام وحشٍ خرج من القفص.

مدونة فكر أديب

مرحبًا! أنا كاتب متحمس للاكتشاف والتعلم، وأجد الإلهام في تفاصيل الحياة. أحب القراءة والغوص في عوالم جديدة من خلال الكتب، والكتابة تعبر عن أفكاري ومشاعري. تجربتي الطويلة قد أكسبتني ثراءً في الفهم والتحليل. أنا هنا لمشاركة تلك الخبرات والتفاصيل الجميلة مع الآخرين. دعونا نستمتع معًا بسحر الكلمات والأفكار.

إرسال تعليق

أحدث أقدم

نموذج الاتصال