أكاذيب إسرائيل
زيف التاريخ والفلسفة والضمير الإنساني
تمهيد: حين تتحول الكذبة إلى عقيدة
يقولون أن شهر إبريل هو شهر الكذب ، و على هذا الأساس فكل الشهور عند بني اسرائيل هى الأول من إبريل .
منذ الكذب التي وصفه المولى تعالى في قصة سيدنا يوسف ، ثم الكذب في قصة سيدنا موسى ، ثم الكذب في قصة سيدنا عيسى ، ثم الكذب و اشاعة الفوضى في عهد الرسول محمد ﷺ في يثرب ،
و من قبل أنهم هم من بنوا الاهرمات ..
الكذب إلى آخر الزمان هو دندان اليهود .
ليست الأكذوبة حادثةً عابرة في التاريخ، ولا زلة لسان في خطاب سياسي، بل قد تكون مشروعًا كاملاً، يُبنى، ويُصقَل، ويُصدَّر، حتى يتحول إلى منظومة فكرية متكاملة، لها مؤسساتها، وأبواقها، وجيوشها الإعلامية، وطقوسها اليومية. وهكذا كانت أكذوبة إسرائيل، وهكذا لا تزال: كذبة تأسيس، وكذبة بقاء، وكذبة توسع، وكذبة قوة، وكذبة مظلومية، وكذبة حضارة.
إن إسرائيل، منذ لحظة ولادتها القسرية، لم تقف على أرض صلبة من الحق، بل على رمال متحركة من الادعاء، فاضطرت أن تُحسن فن الكذب كما يُحسن الغريق فن التعلق بالقش. ومن هنا صار الزيف جزءًا من هويتها، لا عارضًا فيها، وصار الكذب عندها ضرورة وجودية لا ترفًا خطابيا.
أولًا: أكذوبة القوة... حين يتضخم القزم في مرآة الخوف
أطلق موسى ديان، في لحظة من لحظات الانتفاخ الدعائي، أكذوبته المدوية: أن إسرائيل ستحتل سيناء إن لم يُسمح لسفنها بالمرور في قناة السويس. ولم يكن هذا التصريح سوى نفخة هواء في بالون هش، أو صرخة طفل مذعور في ظلام التاريخ.
اختارت إسرائيل توقيتًا مدروسًا: ذكرى ثورة 23 يوليو، حيث تكون المشاعر العربية في أوجها، والذاكرة الوطنية متقدة، فظنت أن الخلط بين الاحتفال والتخويف قد يربك الوعي الجمعي، ويزرع الشك في النفوس، ويستدعي أشباح الهزيمة الماضية. لكنها نسيت – أو تناست – أن الشعوب التي تتعلم من الألم، لا تعود تخاف من الصراخ.
لقد حاولت إسرائيل أن تُعيد إنتاج مأساة 1956، لا بوصفها هزيمة، بل باعتبارها نصرًا عسكريًا باهرًا، متجاهلة أن التاريخ لا يُقرأ بالبيانات العسكرية وحدها، بل بميزان النتائج والمصائر. فماذا كانت حصيلة ذلك العدوان؟ انسحابًا مهينًا، وضغوطًا دولية، وانكشافًا أخلاقيًا، وسقوط قناع التفوق.
ثانيًا: أكذوبة النصر في سيناء... حين يهزم الغازي نفسه
تدعي إسرائيل أن معركة سيناء كانت انتصارًا تكتيكيًا واستراتيجيًا، وأنها تُدرَّس في كلياتها الحربية. غير أن من يقرأ يوميات القادة الإسرائيليين أنفسهم، ومن يطالع مذكرات جنرالاتهم، يدرك أن ذلك "النصر" لم يكن إلا لحظة عابرة من الفوضى، انتهت بانكشاف كامل أمام الإرادة السياسية الدولية، وأمام الصمود العربي.
كيف يُسمّى انتصارًا عسكريًا حدثًا لا يستطيع صاحبه أن يُكمله؟ وكيف تُعدّ غنيمةً أرضٌ أُخذت ثم أُعيدت مكرها؟ إن النصر الحقيقي هو الذي يُكرّس واقعًا جديدًا، لا الذي يُلغيه قرار دولي في سطرين.
وإذا كان جيش إسرائيل قد عجز يومها عن الصمود أمام كتيبتين مصريتين، فكيف له أن يدّعي القدرة على مواجهة جيشٍ كامل، أعاد بناء نفسه، وشحذ إرادته، وأعاد صياغة عقيدته القتالية؟ إن هذه الأكذوبة لا تسكن في حدود السياسة، بل تنحدر إلى درك التهريج العسكري.
ثالثًا: أكذوبة الدولة الديمقراطية... حين تتزين العصابة بثوب القانون
تزعم إسرائيل أنها واحة الديمقراطية الوحيدة في صحراء الاستبداد الشرقية، وتُصدّر نفسها للعالم على أنها نموذج الحداثة والحرية. لكن أي ديمقراطية هذه التي تقوم على نفي الآخر، واقتلاعه من أرضه، ومحو هويته؟
أي ديمقراطية تلك التي تُقيم نظامًا اجتماعيًا عنصريًا، يُفرّق بين الإنسان وأخيه الإنسان على أساس الدين والعرق؟ أي ديمقراطية تلك التي تجعل من المواطن العربي داخل إسرائيل كائنًا من الدرجة الثانية، محرومًا من الحقوق، محاصرًا بالقوانين، محكومًا بالريبة؟
إن البناء الاجتماعي الإسرائيلي ليس سوى خليط متنافر من عصابات الأمس ومهاجري اليوم، توحدهم فقط غريزة البقاء، وتفرقهم المصالح والأعراق والثقافات. مجتمع لا يجمعه تاريخ مشترك، ولا لغة واحدة، ولا ذاكرة واحدة، ولا حلم واحد. إنه مجتمع القلق الدائم، والخوف المزمن، والعدوان الوقائي.
رابعًا: أكذوبة الحق التاريخي... حين يغتصب اللص التاريخ نفسه
تقول إسرائيل إن لها حقًا تاريخيًا في فلسطين، يعود إلى آلاف السنين. لكن التاريخ، ذلك القاضي العادل الذي لا يقبل الرشوة، يشهد أن الوجود الإسرائيلي في فلسطين كان طارئًا، عابرًا، محدود الزمن، بينما الوجود العربي الكنعاني ضارب في أعماق الزمن، متجذر في الأرض كما الجذور في الصخر.
لم يعرف بنو إسرائيل فلسطين إلا عن طريق الغزو، ولم يمكثوا فيها إلا فترات قصيرة، سرعان ما طواها النسيان. فكيف يُبنى حق دائم على إقامة عابرة؟ وكيف يُصادر تاريخ شعب كامل بادعاء أسطوري؟
إنها محاولة لتزييف الذاكرة الإنسانية، واستبدال الوقائع بالخرافة، وتحويل الأسطورة إلى وثيقة ملكية. غير أن الأرض لا تعترف إلا بمن يزرعها، والتاريخ لا يحفظ إلا أسماء من عمروها، والعدالة لا تقف إلا مع أصحاب الحق الحقيقي.
خامسًا: أكذوبة الدولة المسالمة... حين يتحول العدوان إلى نشيد وطني
لا تكف إسرائيل عن ترديد لازمة السلام، وتقديم نفسها كضحية محاصرة بالأعداء. لكنها، في الواقع، لا تعرف من السلام إلا اسمه، ولا تمارس من السياسة إلا فن الحرب.
منذ 1948 حتى اليوم، لم يمر عام واحد دون عدوان، أو اجتياح، أو اغتيال، أو حصار. لقد تحول العدوان في العقلية الإسرائيلية إلى سلوك يومي، وإلى ثقافة عامة، وإلى أسلوب حياة.
إن وجود إسرائيل ذاته هو عدوان مستمر على الجغرافيا، وعلى التاريخ، وعلى الإنسان. هي كيان أُقيم بالقوة، ولا يستطيع البقاء إلا بالقوة، ولا يفهم إلا لغة القوة. ولهذا فهي ترى في كل هدنة فرصة لإعادة التسلح، وفي كل سلام مؤقتًا لالتقاط الأنفاس قبل الجولة التالية.
سادسًا: أكذوبة الحضارة والتفوق... حين يستعير العاجز عضلات غيره
تزعم إسرائيل أنها متفوقة حضاريًا، متقدمة اقتصاديًا، متطورة علميًا. لكنها تغفل – أو تتغافل – أن كل هذا التفوق المزعوم قائم على دعم خارجي هائل، وعلى تبرعات ضخمة، وعلى مساعدات عسكرية واقتصادية مستمرة.
إنها دولة تعيش على المساعدات، وتتنفس من رئات غيرها، وتستمد دماءها من جسد العالم. ولو قُطع عنها هذا الدعم، لانكشفت هشاشتها، وتبدّى عجزها، وسقط قناع تفوقها.
أما الحضارة، فليست مصانع وأسواقًا فحسب، بل منظومة قيم، واحترام إنسان، وعدالة اجتماعية. وكل هذه القيم غائبة عن دولة قامت على الظلم، وتعيش على الإقصاء، وتزدهر فوق أنقاض الآخرين.
سابعًا: أكذوبة النقاء العرقي... حين تتحطم الأسطورة على صخرة العلم
يحاول أبناء إسرائيل إقناع العالم بأنهم سلالة واحدة، نقية الدم، متصلة النسب ببني إسرائيل القدماء. غير أن العلم الحديث، والتاريخ الموثق، يثبتان أن اليهودية ديانة اعتنقها آلاف البشر من أجناس وأعراق مختلفة.
إن الوجوه المتعددة في إسرائيل، والألوان المتباينة، واللهجات المختلفة، ليست سوى شهادة دامغة على زيف هذه الأسطورة. فما من جامع بينهم إلا العقيدة الصهيونية، وما من رابط إلا المصلحة السياسية.
ثامنًا: أكذوبة العبقرية اليهودية... حين يُصادر الذكاء الإنساني
يُروّج الخطاب الصهيوني لفكرة تفوق العقل اليهودي، واحتكاره للعبقرية الإنسانية. لكن التاريخ، مرة أخرى، يسخر من هذا الادعاء. فكم من عباقرة العرب، والمسلمين، والآسيويين، والأفارقة، والأوروبيين، ساهموا في بناء الحضارة الإنسانية؟
بل إن كثيرًا من أعلام العلم والفلسفة الذين يفاخر بهم الغرب، إنما نهلوا من تراث عربي إسلامي عظيم. فالعبقرية ملك للبشرية جمعاء، لا حكرًا على دين أو عرق.
تاسعًا: أكذوبة الاضطهاد الأبدي... حين تُستثمر المأساة سياسيًا
لا تزال إسرائيل تستثمر مأساة اليهود في أوروبا، لتبرير كل جرائمها في الشرق. غير أن تحويل الألم إلى ذريعة للقتل، والمظلومية إلى مبرر للعدوان، هو سقوط أخلاقي مدوٍّ.
فالمأساة لا تُغسل بمأساة أخرى، والدم لا يُطهّر بالدم، والظلم لا يُعالج بظلم أشد. وإن كانت الإنسانية قد تعاطفت مع اليهود المضطهدين، فإنها لا تستطيع أن تتعاطف مع دولة تمارس الاضطهاد باسم ذلك التعاطف.
عاشرًا: الفلسفة العميقة للكذب الصهيوني
في عمق المشروع الصهيوني تكمن فلسفة واحدة: الغاية تبرر الوسيلة. ومن هنا يصبح الكذب وسيلة مشروعة، بل ضرورية. فحين تكون الغاية اغتصاب أرض، وطرد شعب، وبناء كيان فوق أنقاض أمة، لا بد أن يكون الكذب هو اللغة الرسمية.
إن إسرائيل لا تكذب لأنها تريد، بل لأنها مضطرة. فالحقيقة عدوها الأول، والصدق خطر وجودي عليها. ولهذا فهي تطارد الحقيقة حيثما وُجدت، وتشوهها حيثما ظهرت، وتغتالها حيثما نطقت.
خاتمة: إسرائيل... الأكذوبة التي لا يصدقها أحد
بعد هذا التاريخ الطويل من الزيف، تأتي إسرائيل لتطلق أكذوبة جديدة، فتثير الضحك أكثر مما تثير الخوف، وتستجدي التصديق فلا تجده، حتى في عيون أبنائها.
لا أحد يصدقكِ يا إسرائيل، لا العرب، ولا العالم، ولا التاريخ، ولا حتى أنتِ نفسكِ. لقد صار الكذب عندكِ عبئًا ثقيلًا، وصار الزيف قيدًا خانقًا، وصار الادعاء مرآة تعكس هشاشتكِ أكثر مما تُخفيها.
وستظل الحقيقة، مهما طال ليلها، أقوى من ألف كذبة، وأصلب من ألف جيش، وأبقى من ألف دولة زائفة.
فالحق لا يموت، والكذب – مهما طال – إلى زوال.
