بين جدارين من زمنٍ واحد
في مساءٍ خريفيّ متعب ، جلس سليم أمام نافذةٍ تطلّ على أطلال المدينة القديمة ، حيث تتداخل رائحة التاريخ برماد الحاضر . كانت الأضواء الخافتة تنعكس على الزجاج كأشباحٍ باهتةٍ لزمنٍ لم يعُد يسكنه سوى الذاكرة.
أمسك بدفترٍ جلديٍّ أسود ، أورثه إيّاه جدّه الذي خاض ثوراتٍ فكريةً وسياسيةً في منتصف القرن العشرين ، وبدأ يقرأ ملاحظاته بخطٍّ مرتجفٍ متشابكٍ كأنّه صوتٌ قادمٌ من عمق الزمن.
“من لا يعرف نفسه في التاريخ ، سيجد التاريخ يعرفه رغمًا عنه.”
تردّد الصوت في ذهن سليم كنبضٍ داخليٍّ يذكّره بأنّ الماضي لا يموت بل يختبئ في الشقوق الدقيقة من الوعي. أغمض عينيه ، فإذا به يرى نفسه في بيتٍ قديمٍ على ضفاف نهرٍ يابس ، جده يجلس أمامه يشعل غليونه ويدوّن أفكاره على ورقٍ أصفر . في تلك اللحظة ، لم يعد الزمن خطًّا ، بل دائرةٌ تدور حوله ، تتقاطع فيها الذاكرة بالحلم والواقع بالفكرة.
قال سليم في نفسه:
“ كم غريبٌ هذا التناقض فيّ... أنا ابن الحاضر، لكنّي أعيش من ماضٍ لا ينتهي . أحمل في قلبي ثقلَ أمّةٍ لم تجد سلامها بعد ، وأبحث عن معنى لوجودي بين رماد المدن وركام الأفكار .”
ثمّ عاد صوته الداخلي يهمس:
“ألستَ أنت الامتداد لذلك الجدّ ؟ ألستَ الصدى لتساؤلاته التي لم تجد جوابًا ؟ ”
تملّكته رعشةٌ فكرية ، وشعر أنّ الزمن يتحدّث إليه لا من خارجٍ بل من أعماقه . كان يشعر أنّ ذاته مقسومة بين عقلٍ يريد أن يفهم ، وروحٍ تريد أن تصالح.
في الحلم – أو ربما في حالةٍ من تيار الوعي الغامض – وجد سليم نفسه في مقهى دمشقيٍّ قديم، تملأه رائحة القهوة والورق. جلس أمامه رجلٌ بلحيةٍ بيضاء وعيونٍ نافذة، كأنّها تعرف أكثر مما تُظهر. لم يحتج سليم إلى أن يسأل من هو؛ عرفه القلب قبل العقل: جدّه “عبد الغني”، المفكر الذي عاش صراع الهوية في زمن الاستعمار والانقسام.
قال الجدّ بصوتٍ يشبه نغمة التاريخ:
“أنتم يا أبناء اليوم، تحسبون أنكم بدأتم من الصفر، لكنكم في الحقيقة تواصلون الطريق الذي لم نكمله نحن. كلّ فكرةٍ مهملةٍ في دفاترنا تحيا فيكم دون أن تشعروا.”
ردّ سليم، وهو يحاول أن يثبّت ملامحه بين الدهشة واليقين:
“لكنكم ورّثتمونا جراحًا لم تلتئم، وأسئلةً أكبر من الحياة نفسها. كيف نواصل من حيث انتهيتم، ونحن نغرق في عزلةٍ لا تُشبهكم ولا تُشبه أوطانكم؟”
ابتسم الجدّ بحزنٍ هادئٍ وقال:
“لأنكم لم تُدركوا أن الحرية ليست شعارًا، بل عبءٌ معرفيّ. نحن قاتلنا من أجل الأرض، وأنتم عليكم أن تقاتلوا من أجل الوعي.”
ساد صمتٌ كثيفٌ كأنّ المقهى القديم تحوّل إلى مرآةٍ تُظهر وجهي التاريخ والحاضر في آنٍ واحد.
تيار الوعي: الصراع النفسي
عاد سليم إلى واقعه فجأة، فوجد نفسه في غرفته الصغيرة. الجدار أمامه يحمل صورةً قديمةً لجده، وإلى جانبه شاشة الحاسوب تعرض عناوين الأخبار: “تصاعد الصراعات الفكرية... هجرة العقول... بحث جيلٍ جديدٍ عن الهوية.”
شعر بالاختناق، فقام وفتح النافذة. الهواء البارد لامس وجهه كما لو أنّه صفعةٌ توقظه من سباته. بدأ حوارًا جديدًا مع ذاته:
“أأنا حرّ حقًّا؟ أم أنني سجين أفكارٍ ورثتها دون وعي؟ أعيش في عالمٍ يقدّس السرعة وينسى المعنى... كيف يمكن للإنسان أن يظلّ إنسانًا وسط هذا الضجيج؟”
ثمّ ردّ عليه صوته الآخر، صوتٌ عميقٌ أشبه بظلٍّ داخليٍّ قديم:
“الحرية تبدأ حين تواجه نفسك لا حين تهرب منها. التاريخ ليس قيدًا، بل مرآة. ولكن احذر، فحين تنظر طويلاً في المرآة، قد ترى ما لا تُطيق رؤيته.”
جلس على الكرسيّ متأمّلًا، والذكريات تتقافز أمامه: طفولته في بيتٍ مليءٍ بالكتب، لياليه الطويلة في دراسة الفلسفة، حواراته الجامعية حول الوجود والهوية... كلّها تلتقي الآن في لحظةٍ واحدةٍ كأنّها عقدٌ من اللؤلؤ انفلت خيطه.
رنّ الهاتف. كانت المتّصلة صديقته ليلى، باحثة في علم النفس الاجتماعي، تشاركه شغف التحليل النفسي للتاريخ.
قالت بصوتٍ دافئٍ يحمل نبرة القلق:
“سليم، سمعتُ أنك انعزلت مجددًا. لا تجعل الماضي يبتلعك.”
أجابها:
“بل أكتشف نفسي فيه. أتعلمين يا ليلى؟ التاريخ ليس ما نقرأه في الكتب، بل ما يسكننا دون إذن. نحن نحيا في طبقاتٍ من الزمن، وكلّ جيلٍ هو تكرارٌ مختلفٌ للذي سبقه.”
قالت:
“لكن إن بقينا نعيد الأسئلة ذاتها، فهل سنتقدّم؟”
صمت قليلًا، ثم قال:
“ربما التقدّم ليس في الجواب، بل في عمق السؤال.”
كان هذا الحوار يفتح أمامه أبوابًا نفسيةً جديدة: كيف يعيش الإنسان بين حتمية الماضي وإرادة التغيير؟ كيف تتشكّل الهوية من التناقض بين ما كان وما يجب أن يكون؟
كانت ليلى بالنسبة له صوتَ العقل، بينما الجدّ هو صوت الذاكرة، وبينهما يقف هو — الممزّق بين اتجاهين، يبحث عن ذاته كما يبحث الفيلسوف عن المعنى في ظلال الأشياء.
بعد أيامٍ من العزلة، قرّر سليم زيارة الأرشيف الوطني حيث تُحفَظ رسائل المثقفين الذين عاشوا مرحلة التحوّل الكبرى في منتصف القرن العشرين. هناك، وجد رسالةً بخطّ جدّه إلى أحد المفكرين تقول:
“الإنسان حين يفقد وعيه التاريخي، يصبح كمن يسير في الصحراء دون ظلّ. لا تكتمل نهضتنا إلا إذا تصالحنا مع ذاكرتنا، لا لنُعانقها بالبكاء، بل لنفهمها بالعقل.”
تلك الكلمات اخترقت كيانه، فشعر بأنّ الزمن القديم يهمس له مجددًا. بدأ يرى التشابه بين أمسه ويومه: ذات الانقسامات، ذات الجراح، وذات البحث المضني عن المعنى. لكنه أدرك في الوقت نفسه أن الجواب لا يأتي من الماضي وحده، بل من القدرة على إعادة تأويله.
خرج من الأرشيف تحت ضوء شمسٍ غاربة، وبدأ يتمتم لنفسه:
“ربما التاريخ ليس سجنًا، بل معملًا لتجربة الوعي... نحن لسنا أبناء الهزيمة، بل أبناء الأسئلة التي لم تكتمل.”
في تلك الليلة، عاد سليم إلى غرفته. جلس أمام النافذة مجددًا، لكن عينيه لم تعودا تبحثان عن الأطلال، بل عن بذورٍ جديدةٍ في الرماد. كتب في دفتره:
“تعلّمت اليوم أن التاريخ لا يعلّمنا الماضي، بل يُدرّبنا على الحاضر. إنّ الصراع بين الذاكرة والنسيان هو جوهر الإنسان. وكلّ جيلٍ، مهما تغيّر شكله، يحمل داخله سؤال الجدّ القديم: من نحن؟”
ثم أغلق الدفتر، ووضعه بجانب مصباحٍ صغير، كأنّه يسلم الشعلة إلى زمنٍ قادم.
في أعماقه، لم يعد الصراع بين الماضي والحاضر حربًا، بل حوارًا مفتوحًا بين مرحلتين من الوعي الإنساني. أدرك أن كلّ إنسان هو صفحةٌ في كتابٍ أكبر من حياته، وأنّ المعنى الحقيقي لا يُكتَب، بل يُعاش.
حين انطفأ الضوء، ظلّ صوته الداخلي يتموّج في الظلام:
“ربما لا نملك أن نغيّر التاريخ، لكن يمكننا أن نغيّر وعينا به. ومن هناك، تبدأ كلّ نهضةٍ جديدةٍ، من قلبٍ واحدٍ يعرف أن الزمن ليس عدوًّا... بل مرآةٌ تنتظر أن نجرؤ على النظر فيها.”
