أحلامُ الربيع
لا تلومي الربيعَ إذا ولّى،
فما كان الربيعُ يومًا خائنًا،
ولا كانت المواسمُ تعرفُ الغدر،
لكنّ الأحلامَ حين تُفرِطُ في التعلّقِ بالورد،
تنسى أنَّ للوردِ عمرًا،
وأنَّ للعطرِ رحلةً قصيرةً
بين مهدِ الغصنِ وكفِّ الريح.
كانت أحلامُنا ورديّةً
كفجرٍ ينهضُ من بينِ أهدابِ الغيم،
نرسمُها على صفحةِ الأفقِ
فنراها أكبرَ من المسافات،
وأقربَ من نبضِ القلب،
كأنّها طيورٌ من ضوءٍ
لا تعرفُ الهبوطَ إلا على شرفاتِ الرجاء.
لكنَّ أفقَنا، يا رفيقةَ الروح،
ما عادَ ذاك الأفقَ الفسيح؛
شاختْ ملامحُه،
وتكسّرتْ على جبينهِ تجاعيدُ الانتظار،
حتى بدا المساءُ فيه
شيخًا يتوكّأ على عصا الغروب،
يحصي ما تبقّى من نجومٍ
ثم يتركها لليلِ
كي يُتمَّ نشيدَ الغياب.
وشاخَ القلبُ أيضًا،
لا لأنَّ السنينَ مرّتْ،
بل لأنَّ الخيباتِ مرّتْ أكثر.
فكلُّ خيبةٍ كانت عامًا،
وكلُّ انتظارٍ كان دهرًا،
حتى أثقلَ الوهنُ أجنحتَه،
فصار يخفقُ ببطءٍ
كعصفورٍ بلّله المطر
وأعياه التحليق.
أصابنا الوهنُ، نعم،
لكنّه وهنُ الحالمين،
لا وهنُ المنكسرين؛
وهنُ من أرهقتهم كثرةُ الضوء
بعد طولِ التحديق،
وأوجعتهم كثرةُ الأمنيات
بعد طولِ الصبر.
فصرنا نمشي إلى الأيام
بخطوٍ يشبهُ الهمس،
ونحملُ في أعينِنا
بقايا فجرٍ لم يكتمل.
ها هو الواقعُ،
ذلك النهرُ العنيد،
يسبحُ ضدَّ التيار،
ويأبى أن يطاوعَ قواربَ الأمنيات.
كلّما ألقينا فيه وردةً
أعادها إلينا شوكًا،
وكلّما بذرنا على ضفافهِ حلمًا
أثمرَ صمتًا وحنينًا.
كأنّه يختبرُ صبرَنا،
أو يعلّمُنا أنَّ الطريقَ إلى النور
يمرُّ أحيانًا
في دهاليزِ العتمة.
ومع ذلك،
لم يبقَ لي من هذا العالمِ
إلّا وجهُكِ.
وجهُكِ الذي يطلعُ في داخلي
كلّما انطفأتْ المدن،
ويزهرُ في روحي
كلّما ذبلتْ المواسم.
أراكِ
فأرى الربيعَ كلَّه
مختصرًا في ملامحك:
في ابتسامةٍ تشبهُ انبثاقَ النهر،
وفي عينينِ كأنّهما
سماءٌ غسلتها نجمة.
أنتِ قمرٌ مضيء،
ليس لأنّكِ تُنيرينَ الليلَ فقط،
بل لأنّكِ تُنيرينَ ما هو أعمقُ من الليل:
تُضيئينَ وحشةَ القلب،
وتبدّدينَ ظلالَ التعب،
وتجعلينَ من الحزنِ
نافذةً يطلُّ منها الأمل.
يا قمري البعيدَ القريب،
يا مفارقةَ النورِ والحنين،
كيف استطعتِ أن تكوني
ملاذًا وعاصفة؟
سكينةً واشتياقًا؟
صمتًا يغنّي،
وكلامًا يورق؟
فيكِ يجتمعُ الضدّان،
فيأتلفانِ كما يأتلفُ
الليلُ بالفجر،
والدمعُ بالابتسام.
أمّا كلماتُكِ،
فهي صمّاءُ بكماءُ حينًا،
لكنّ صمتَها أبلغُ من البيان،
وسكونَها أعمقُ من الضجيج.
فكم من كلمةٍ لم تُقَل
قالتها عيناكِ،
وكم من معنىً عجزَ عنه اللسان
أفصحتْ عنه رعشةُ اليد،
وكم من حكايةٍ
نامت بين شفتيكِ
وأيقظها في داخلي
صدى التأويل.
إنّ بعضَ الصمتِ كلام،
وبعضَ الغيابِ حضور،
وبعضَ العيونِ قصائدُ
لا تحتاجُ إلى حروف.
وأنتِ،
كلّكِ قصيدة؛
مطلعُها شوق،
ووسطُها وجد،
وخاتمتُها
دعاءٌ طويلٌ
أن لا يذبلَ الوردُ في قلبِ المساءِ.
وكلماتُكِ حين تمرُّ بي
تنسابُ كنسيمِ الصبا،
رقيقةً، عذبةً،
تحملُ رائحةَ البساتينِ الأولى،
وتوقظُ في القلبِ
أغنياتٍ نامتْ طويلًا.
إذا همستِ،
اهتزّتْ في الروحِ أوتارٌ خفيّة،
وإذا ابتسمتِ،
أورقَ في الصدرِ غصنٌ يابس،
وعادَ للعمرِ
طعمُ البدايات.
يا نسيمَ الصبا،
يا سرَّ اللطفِ إذا تكلّم،
يا سحرَ الحرفِ إذا تأنّق،
في حضوركِ
تصيرُ الأشياءُ أجمل:
الوقتُ أقلُّ قسوة،
والمساءُ أقلُّ وحدة،
والغربةُ أقلُّ مرارة.
كأنّكِ اللمسةُ التي تُصلحُ
ما أفسدتْه الأيام،
والنغمةُ التي تعيدُ
للقلبِ ميزانَه.
فإن ولّى الربيعُ يومًا،
ففيكِ ربيعٌ لا يذبل،
وإن شاخَ الأفقُ،
فعيناكِ أفقٌ لا يشيخ،
وإن أوهنتنا الحياةُ،
فصوتُكِ
ماءٌ يردُّ إلى الروحِ نضارتها.
لهذا لا أخافُ الرحيل،
ما دام فيكِ مقام،
ولا أخشى ذبولَ المواسم
ما دام في قلبكِ
حديقةٌ من نور.
أحلامُ الربيعِ لا تموت،
هي فقط تغيّرُ شكلَها؛
مرّةً تكونُ وردة،
ومرّةً تكونُ نجمة،
ومرّةً تسكنُ وجهًا
نحبّه حدَّ الخلود.
وأنتِ
أجملُ أحلامِ الربيع،
حين يصيرُ الحلمُ حقيقة،
ويصيرُ الجمالُ وطنًا،
ويصيرُ القلبُ
مطمئنًّا
كأنّه أخيرًا
وجدَ الطريق.
فدعيني أعلّقُ على نافذةِ المساءِ
بعضًا من ضوءِكِ،
وأزرعُ في دروبِ العمر
خطاكِ،
لعلّ الربيعَ إذا عادَ يومًا
يعرفُ أنّ هنا
قلبًا ما زال ينتظر،
وأنّ هنا
حلمًا ما زال يزهر،
وأنّ هنا
حبًّا تعلّمَ من الفصول
أنّ أجملَ ما فيها
ليس الورد،
بل من يُشبهُ الورد.
هكذا يبقى الربيعُ فينا،
لا فصلًا يرحل،
بل إحساسًا يقيم،
ولا وردًا يذبل،
بل حبًّا يتجدّد،
ولا حلمًا عابرًا،
بل روحًا كلّما أوهنتها الحياة
أنعشها وجهُكِ
كأوّلِ صبحٍ في الدنيا.
