الصمت سجن في الهواء الطلق
عندما يتحوّل المنع إلى خطاب سلطة
في لحظةٍ يتقاطع فيها القانوني بالسياسي، والحقوقي بالإعلامي، يبرز قرار منع التداول في ما عُرف بقضية «التآمر على أمن الدولة» بوصفه علامة فارقة في مسار العلاقة بين السلطة والكلمة. ليس القرار مجرّد إجراء تقني لحماية سرية التحقيق، كما قد يبدو في ظاهره، بل هو—في عمقه—مرآة تعكس توتّرًا بنيويًا بين إرادة الضبط وإرادة التعبير، بين الخوف من الحقيقة والرغبة في امتلاكها.
إنّ الصمت، في هذا السياق، لا يعود غيابًا للكلام فحسب، بل يتحوّل إلى فضاءٍ قسري، إلى “سجنٍ في الهواء الطلق” تُقيَّد فيه الأسئلة قبل الأجوبة، وتُعاقَب فيه الكلمة قبل أن تُقال.
من حيث المبدأ، لا خلاف حول مشروعية حماية سرية التحقيق. فالقانون التونسي، كما في كثير من التشريعات المقارنة، يقرّ بأنّ التحقيق في مراحله الأولى ينبغي أن يتمّ في كنف الكتمان، صونًا لقرينة البراءة، وحمايةً للأدلة من العبث، وضمانًا لسير العدالة في مسارها الطبيعي. ينصّ الفصل 61 من المرسوم عدد 115 لسنة 2011 على تحجير نشر وثائق التحقيق قبل عرضها في جلسة علنية، وهو مبدأ يجد صداه في التشريعات الفرنسية والمصرية وغيرها.
غير أنّ الإشكال لا يكمن في مبدأ السرية ذاته، بل في مدى اتساع دائرة التأويل. فحين يتحوّل “منع النشر” إلى “منع التداول”، تنتقل المسألة من ضبط فعل محدّد (النشر) إلى تجريم حالة اجتماعية كاملة (التداول). والتداول، كما تُجمع المعاجم، هو تبادل الخبر والرأي، وهو جوهر الفعل الإعلامي ذاته.
هنا، لا يعود المنع موجّهًا إلى حماية التحقيق، بل يمتدّ ليطال المجال العمومي برمّته، وكأنّ المجتمع بأسره صار طرفًا مشتبهًا به، ينبغي عزله عن المعلومة.
ثانيًا: الإعلام بين الوظيفة والاتهام
يقوم العمل الصحفي على ركيزتين أساسيتين: نقل المعلومة، وتأطير النقاش. فالإعلام ليس مجرّد ناقلٍ محايد للأحداث، بل هو وسيط يفسّر ويحلّل ويضع الوقائع في سياقها. وعندما يُمنع “التداول”، فإنّ هاتين الوظيفتين تُصابان في الصميم.
إنّ ملاحقة صحفيين بسبب حوارات إعلامية، كما حدث في الاستماع إلى الصحفية خلود المبروك أو استدعاء المحامي سمير ديلو، لا يمكن قراءته فقط كإجراء قانوني، بل كإشارة رمزية إلى حدود المسموح والممنوع. إنها رسالة غير مكتوبة مفادها: “تكلّموا… ولكن في حدود ما لا يُزعج”.
في هذا المناخ، يتحوّل الصحفي من فاعل في المجال العام إلى كائن حذر، يزن كلماته بميزان الخوف لا بميزان الحقيقة. وهنا تبدأ الرقابة الذاتية، وهي أخطر من أي رقابة رسمية، لأنها تنخر الوعي من الداخل.
ثالثًا: التحليل النفسي—الخوف كآلية ضبط
من منظور نفسي، يمكن فهم هذا النوع من القرارات بوصفه امتدادًا لآلية قديمة في أنظمة السلطة: إنتاج الخوف. فالخوف ليس مجرّد شعور فردي، بل هو أداة سياسية تُستخدم لضبط السلوك الجماعي.
حين يُهدَّد الصحفي أو المواطن بعقوبات جزائية لمجرّد “التداول”، فإنّ الرسالة لا تُوجَّه إليه وحده، بل إلى كل من يشبهه. وهكذا يتكوّن ما يمكن تسميته بـ”الوعي المراقَب”، حيث يصبح الفرد رقيبًا على نفسه، يخشى الكلمة قبل أن ينطق بها.
هذا النمط من الخوف يعيد إنتاج ما عاشته مجتمعات عديدة في فترات الاستبداد، حيث كان الصمت هو اللغة الأكثر أمانًا، والكلام مغامرة غير محسوبة العواقب.
رابعًا: التحليل الاجتماعي—تفكك المجال العمومي
اجتماعيًا، يؤدي منع التداول إلى إضعاف المجال العمومي، ذلك الفضاء الذي يتشكّل فيه الرأي العام عبر النقاش الحر. فالمجتمع لا يتماسك بالصمت، بل بالحوار؛ ولا يتطوّر بالكتمان، بل بالاختلاف.
حين تُحاصر القضايا العامة بالصمت، تُترك الساحة لخطابات بديلة، غالبًا ما تكون غير موثوقة: إشاعات، تسريبات، أو حملات تشويه. paradoxically، فإنّ المنع لا يوقف تداول المعلومات، بل يدفعها إلى الهامش، حيث تفقد دقتها وتكتسب طابعًا فوضويًا.
ولعلّ المفارقة الكبرى تكمن في أنّ بعض الصفحات أو الأفراد يواصلون نشر وثائق ومعطيات حساسة دون رادع، في حين يُلاحق الصحفي الذي يمارس عمله ضمن أطر مهنية. هذا التفاوت يخلق شعورًا باللاعدالة، ويقوّض الثقة في المؤسسات.
خامسًا: التحليل المنطقي—هل يخدم المنع هدفه؟
من زاوية منطقية، يطرح القرار إشكالًا في التناسب والغاية. فإذا كان الهدف هو حماية التحقيق، فإنّ الأدوات القانونية المتاحة (مثل منع نشر الوثائق) تبدو كافية لتحقيق ذلك. أما توسيع المنع ليشمل “التداول”، فهو إجراء فضفاض، يصعب تحديد حدوده بدقة، ما يجعله عرضة للتأويل التعسفي.
ثم إنّ منع النقاش لا يمنع تكوّن الآراء، بل يدفعها إلى التشكل في الظل، بعيدًا عن النقاش العقلاني. وهكذا، بدل أن يُسهم القرار في تهدئة الفضاء العام، قد يؤدي إلى مزيد من الاحتقان والغموض.
سادسًا: أمثلة واقعية—حين يصبح الصمت سياسة
يمكن استحضار تجارب عديدة تُظهر كيف يُستخدم الصمت كأداة سياسية. في فترات سابقة من تاريخ تونس، كما في دول أخرى، كان منع النشر والتداول جزءًا من منظومة أوسع تهدف إلى السيطرة على السردية العامة. وكانت النتيجة دائمًا واحدة: انفصال بين الخطاب الرسمي والواقع المعاش.
في المقابل، تُظهر تجارب ديمقراطية أنّ الشفافية—even عندما تكون مؤلمة—تُسهم في بناء الثقة. ففي قضايا كبرى، مثل فضائح سياسية أو ملفات فساد، كان النقاش المفتوح هو السبيل إلى المحاسبة والإصلاح.
سابعًا: بين القانون والسياسة—حدود التداخل
يبقى السؤال الجوهري: هل نحن أمام قرار قانوني بحت، أم أمام إجراء سياسي مُغلَّف بلغة قانونية؟ إنّ الغموض الذي يحيط بالقرار—من حيث صيغته، وجهة تبليغه، وحتى وجوده المادي—يفتح الباب أمام هذا التساؤل.
فعندما تنكر هيئة الدفاع اطلاعها على القرار، وعندما لا تُصدر الهيئة التعديلية (الهايكا) موقفًا واضحًا، يصبح الأمر أقرب إلى “خطاب سلطة” منه إلى إجراء قانوني محدّد المعالم.
خاتمة: الكلمة كفضاء للحرية
في النهاية، لا يمكن اختزال القضية في جدل قانوني تقني. إنها، في جوهرها، سؤال عن مكانة الكلمة في المجتمع: هل هي حق أصيل، أم امتياز مشروط؟ هل هي وسيلة للمعرفة، أم خطر يجب احتواؤه؟
إنّ الصمت، مهما بدا مريحًا للسلطة، لا يبني مجتمعًا سليمًا. بل إنّ المجتمعات التي تُمنع فيها الكلمة، تتحوّل تدريجيًا إلى فضاءات مغلقة، حيث تتراكم الأسئلة دون إجابات، والشكوك دون يقين.
الصمت، إذن، ليس حيادًا. إنه موقف. وفي كثير من الأحيان، يكون السجن الأكثر اتساعًا… لأنه بلا جدران.
