طائفة البهرة

طائفة البهرة
بين سؤال الهوية وجدلية الانتماء يظلّ الإنسان في بحثه عن المعنى مسكونًا بسؤال الهوية: من أنا؟ وإلى أيِّ كيانٍ أنتمي؟ وأيُّ سرديةٍ أختار لتفسير الوجود؟ ولعلّ الطوائف الدينية، على اختلاف مشاربها، ليست إلا تعبيرًا عن هذا القلق الوجودي، ومحاولةً لاحتواء الأسئلة الكبرى في قالبٍ عقديٍّ واجتماعيٍّ وسياسيٍّ. وفي هذا السياق تبرز طائفة البهرة بوصفها نموذجًا مركّبًا؛ فهي ليست مجرد جماعة دينية ذات عقائد خاصة، بل هي كيان اجتماعي واقتصادي متماسك، يحمل في داخله شبكةً من الرموز، والطقوس، والولاءات، والأساطير المؤسسة، التي تشكّل معًا عالمًا متكاملاً، يقدّم لأتباعه معنى الوجود وأمان الانتماء. غير أن القراءة الأكاديمية النقدية لهذه الطائفة تفرض تجاوز الوصف السطحي إلى تحليل الجذور العقدية، والتاريخية، والنفسية، والاجتماعية، ضمن ميزان الشرع، ومنهج العقل، وقيم البحث العلمي. الجذور العقدية والتاريخية لطائفة البهرة البهرة طائفة شيعية إسماعيلية مستعلية، تنتسب إلى الإمام المستعلي بالله، ثم إلى ابنه الآمر بأحكام الله، ثم إلى ابنه الطيب، ولذلك يُطلق عليهم اسم الطيبية. ويعتقدون بغيبة الإمام الطيب ودخولِه في طور الستر منذ سنة 525هـ، وأن الأئمة من نسله يتسلسلون سرًّا إلى يومنا هذا، دون أن يُعرف لهم اسمٌ أو أثر. وهنا تتجلى المفارقة الكبرى: إذ تقوم منظومة عقدية كاملة على إمامٍ غائبٍ مجهول الهوية، لا يُعرف اسمه، ولا مكانه، ولا زمنه، ولا أثره في الواقع، وإنما يُستدلّ على وجوده عبر الداعي المطلق، الذي يحتكر سلطة التفسير، والقيادة، والتشريع. وهذا التصور يثير إشكالات فلسفية عميقة حول مفهوم السلطة الدينية الغيبية، حين تتحوّل الغيبة من فكرة روحية إلى أداة سياسية واجتماعية لإحكام السيطرة، وهو ما حذّر منه القرآن حين قال: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ التوبة: 31 فالربوبية هنا ليست عبادةً شعائرية فحسب، بل تسليمٌ مطلق في التشريع والتوجيه، وهو عين ما تجسده مؤسسة "الداعي المطلق" في بنية البهرة. من القاهرة إلى كجرات: مسار التحوّل التاريخي نشأت البهرة في رحم الدولة الفاطمية بمصر، تلك الدولة التي رفعت لواء التشيع الإسماعيلي، وأسست نموذجًا سياسيًا ودينيًا بالغ التعقيد. ومع سقوط الفاطميين، واغتيال الخليفة الآمر بأحكام الله، دخلت الدعوة الطيبية مرحلة الستر، وانتقلت تدريجيًا إلى اليمن، ثم إلى الهند. وفي الهند، وتحديدًا في إقليم كجرات، وجدت الدعوة الطيبية بيئةً اجتماعية خصبة، اتسمت بالتسامح الديني والتعدد العقدي، فاندمجت الجماعة في نسيج المجتمع الهندي، وامتهنت التجارة، حتى غدا لفظ "بهرة" في اللغة الكجراتية مرادفًا للتاجر. وهنا يتجلّى التحول الوظيفي للدين: من مشروعٍ سياسيٍّ سلطوي في مصر، إلى كيانٍ تجاريٍّ مغلق في الهند، يعتمد على الاقتصاد بوصفه وسيلة بقاء واستمرار. وقد صدق القائل: إذا ما خلا الجسد من روح المعنى صار المال فيه ربًّا متربّعًا الانقسامات الداخلية: من وحدة الدعوة إلى تشرذم الفرق عرفت طائفة البهرة سلسلة من الانقسامات التاريخية، أبرزها: 1. الداودية: وهم الأغلبية، ومركزهم الرئيس في بومباي. 2. السليمانية: مركزهم اليمن. 3. العلوية: وهم الأقل عددًا، يتمركزون في بعض مدن الهند. وتكشف هذه الانقسامات عن أزمة كامنة في مفهوم السلطة الدينية الوراثية، إذ لا تقوم على الشورى، ولا على الكفاءة العلمية، وإنما على النصوص السرية والادعاءات الغيبية، مما يفتح باب الصراع والتنازع، كما قال تعالى: ﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ الأنفال: 46 العقيدة الباطنية وإشكالية التأويل المغلق تقوم العقيدة البهرية على مبدأ الباطنية، أي صرف النصوص الشرعية عن ظواهرها إلى معانٍ سرية لا يعلمها إلا الدعاة، وهو منهج خطير يُفضي إلى هدم دلالات النصوص، وتحويل الدين إلى منظومة رمزية غامضة، خاضعة لأهواء النخبة. وقد حذّر النبي ﷺ من هذا المسلك حين قال: " من قال في القرآن برأيه فليتبوأ مقعده من النار " رواه الترمذي إن التأويل الباطني لا يفضي فقط إلى اضطراب الفهم، بل إلى تفريغ الدين من محتواه الأخلاقي والاجتماعي، إذ تصبح الأحكام مجرد رموز، والصلاة طقسًا باطنيًا، والصيام معنى نفسيًا، والحج رحلة رمزية، فتُنسخ الشريعة باسم الحقيقة، ويُلغى العمل باسم المعرفة. وهذا ما عبّر عنه الشاعر بقوله: ومن رام علمَ الغيب دون شريعةٍ تردّى في وهمٍ وأضحت خطاه هباء الجانب النفسي والاجتماعي: الطاعة المطلقة وبناء القطيع من أبرز سمات المجتمع البهري الانضباط الصارم والطاعة العمياء للداعي المطلق. فالطائفة تقوم على نظام هرمي محكم، يُغذّى منذ الطفولة بثقافة الامتثال، والخوف من الخروج، والرهبة من العقاب الاجتماعي والديني. وهذا النموذج يُنتج شخصيةً نفسيةً مزدوجة: • ظاهرها الطاعة والامتثال. • وباطنها القلق والكبت والخوف من التفكير الحر. وقد عبّر القرآن عن هذا النمط من الانقياد بقوله: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّقْتَدُونَ﴾ الزخرف: 23 فالانتماء هنا ليس اختيارًا واعيًا، بل وراثة اجتماعية مغلقة، يندر فيها النقد أو المراجعة. الاقتصاد بوصفه ركيزة بقاء يُعدّ النشاط التجاري أحد أعمدة الكيان البهري، إذ يعتمدون على نظام مالي جماعي، تُجمع فيه الأموال بصورة دورية لتمويل المشاريع والمؤسسات، فضلًا عن دعم سلطة الدعاة. وهنا يتحوّل المال إلى أداة تماسك اجتماعي، لكنه في الوقت ذاته وسيلة ضبطٍ وتحكّم، إذ يُربط الولاء الديني بالالتزام المالي، ويُنظر إلى الخارج عن الطائفة بوصفه خائنًا للجماعة، لا لمجرد خروجه العقدي، بل لانفصاله الاقتصادي. البهرة في مصر: الحنين إلى الفردوس المفقود تحتفظ الذاكرة البهرية بصورة مثالية عن مصر الفاطمية، باعتبارها الأرض المقدسة، وموطن الأئمة، ومركز الدعوة الأول. ومن هنا ينبع اهتمامهم بترميم المساجد والمقامات، مثل مسجد الحاكم بأمر الله، والسيدة زينب، في محاولة لإحياء الرمزية الفاطمية، وبعث الماضي في الحاضر. غير أن هذا الحنين يصطدم بالواقع الاجتماعي المصري، الذي ظلّ – عبر قرون – عصيًّا على التشيع الغالي، محافظًا على هويته السنية الوسطية، كما قال الإمام الشافعي: إن كان حبُّ آلِ بيتِ محمدٍ فليشهد الثقلان أنّي رافضي حبٌّ بلا غلو، وولاء بلا تقديس، وتوقير بلا تأليه. الموقف الفقهي: قراءة شرعية نقدية أجمع علماء أهل السنة على أن العقائد الباطنية التي تنطوي على تأليه الأئمة، وإنكار ظواهر الشريعة، والقول بالتناسخ، تمثل خروجًا بيّنًا عن أصول الإسلام. وقد قال تعالى: ﴿وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ آل عمران: 85 ومن هنا صدرت فتاوى متعددة بعدم جواز الزواج من المنتسبين إلى هذه العقائد، حمايةً للأسرة المسلمة من الاضطراب العقدي، وصونًا لهوية الأبناء. بين التسامح الاجتماعي والانغلاق العقدي ورغم ما يُعرف عن البهرة من سلمية وتسامح ظاهري، ومشاركتهم في الأعمال الخيرية، فإن هذا لا يكفي للحكم على سلامة المنظومة العقدية؛ إذ إن الأخلاق الحسنة لا تعوّض فساد التصورات، كما قال ابن تيمية: "صلاح الأعمال فرع عن صلاح الاعتقاد." وقد جمع القرآن بين الإيمان والعمل الصالح، ولم يكتفِ بأحدهما دون الآخر: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ خاتمة تأملية: نحو قراءة واعية للتراث والطائفة إن دراسة طائفة البهرة ليست مجرد استعراض تاريخي، بل هي نافذة لفهم آليات تشكّل الطوائف، وكيف تتحول الأفكار إلى هياكل سلطوية، والأساطير إلى أدوات ضبط، والرموز إلى هويات مغلقة. وإذا كان الإسلام قد جاء ليحرر الإنسان من العبودية لغير الله، فإن أي منظومة تُعيد إنتاج التقديس البشري تحت مسميات جديدة، إنما تناقض جوهر الرسالة. قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَىٰ إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَٰهُكُمْ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ﴾ الكهف: 110 وهنا تتجلى عظمة التوحيد: تحرير العقل، وتحرير الضمير، وتحرير الإنسان من كل وصاية زائفة.

مدونة فكر أديب

مرحبًا! أنا كاتب متحمس للاكتشاف والتعلم، وأجد الإلهام في تفاصيل الحياة. أحب القراءة والغوص في عوالم جديدة من خلال الكتب، والكتابة تعبر عن أفكاري ومشاعري. تجربتي الطويلة قد أكسبتني ثراءً في الفهم والتحليل. أنا هنا لمشاركة تلك الخبرات والتفاصيل الجميلة مع الآخرين. دعونا نستمتع معًا بسحر الكلمات والأفكار.

إرسال تعليق

أحدث أقدم

نموذج الاتصال