يوسف السباعي في ذكراه: سيرة إنسان، وذاكرة وطن، وضمير ثقافة

يوسف السباعي في ذكراه: سيرة إنسان، وذاكرة وطن، وضمير ثقافة
مقدّمة وجدانية – بين الفقد والخلود في الثامن والعشرين من فبراير، لا يمرّ الزمن كما تمرّ الأيام، ولا تعبر الذكرى كما تعبر المناسبات العابرة، بل تتكثف اللحظة، ويثقل التاريخ، وتخفت الأصوات، كأن الوجود كله يقف حدادًا على رجل لم يكن فردًا عاديًا، بل كان مؤسسة وجدانية وثقافية كاملة: يوسف السباعي. إنها ذكرى لا تأتي محايدة، بل محمّلة بالأسى، مشبعة بالفراغ، مغموسة في شعور الفقد الوجودي، حيث يتحوّل الغياب من حدث شخصي إلى مأساة جماعية، ومن فقد إنسان إلى انكسار معنى. فالموت ـ وإن كان حقًا كونيًا ـ لا يكون دائمًا عاديًا في أثره، ولا بسيطًا في نتائجه، خاصة حين يخطف قامة فكرية، وصوتًا أخلاقيًا، ووجدانًا ثقافيًا كان يشكّل جزءًا من نبض المجتمع. وهنا لا يصبح الحزن حالة شعورية فقط، بل يتحول إلى ظاهرة نفسية جمعية، تتقاطع فيها مشاعر الفقد الشخصي مع إدراك الخسارة العامة، فيتشابك الخاص والعام، وتذوب الحدود بين الألم الذاتي والألم الوطني، في حالة نادرة من التماهي الوجودي بين الفرد والمجتمع. أولًا: البعد التاريخي – يوسف السباعي في سياق التحولات الكبرى لا يمكن قراءة يوسف السباعي خارج سياقه التاريخي. فقد وُلد في زمن الملكية، ونشأ في ظل الاحتلال البريطاني، وتكوّن وعيه في بيئة سياسية مشحونة بالتحرر الوطني، ثم عايش الثورة، وبناء الدولة الحديثة، وتحولات السلطة، وانكسارات الأحلام الكبرى. مرحلة ما قبل الثورة كانت هذه المرحلة زمن تشكّل الوعي، حيث كانت الثقافة مشتبكة بالسياسة، والأدب مرتبطًا بالتحرر، والكتابة فعل مقاومة ناعمة. في هذا السياق تشكّلت شخصية السباعي بين الجيش والثقافة، بين النظام والانتماء الشعبي، بين الانضباط المؤسسي والحرية الفكرية. مرحلة ما بعد الثورة دخل يوسف السباعي المجال العام لا ككاتب فقط، بل كفاعل ثقافي، وصانع قرار، ومهندس وعي. فصار المثقف الذي يتحرك داخل الدولة دون أن يذوب فيها، ويقترب من السلطة دون أن يتحول إلى بوق لها، وهي معادلة أخلاقية صعبة في التاريخ العربي الحديث. ثانيًا: البعد النفسي – شخصية المثقف الإنساني على المستوى النفسي، كان يوسف السباعي نموذجًا نادرًا لما يمكن تسميته بـ**"المثقف الأبوي"**؛ أي المثقف الذي لا يمارس الوصاية، بل الرعاية، ولا يحتكر المعرفة، بل يوزعها، ولا يتعالى على الناس، بل ينزل إليهم. ملامح الشخصية النفسية: • الاحتواء الوجداني: كان يحتوي الآخرين نفسيًا قبل أن يحتويهم فكريًا. • التسامح العاطفي: لا يحمل حقدًا، ولا يسكنه انتقام. • الهدوء الوجودي: حتى في لحظات الصراع كان يتحدث بلغة الإنسان لا بلغة الغضب. • الحياء الأخلاقي: كان يخجل من الحديث عن فضائله، ويصمت عن مواقفه. وهذه السمات جعلته نموذجًا لما يسميه علم النفس الإنساني بـ"الشخصية المتكاملة" (Integrated Personality)، حيث تتوازن القيم مع السلوك، والفكر مع الفعل، والموقف مع الأخلاق. ثالثًا: البعد الفلسفي – معنى الموت ومعنى البقاء فلسفيًا، لا يكون موت يوسف السباعي نهاية، بل تحوّلًا في نمط الوجود. فالإنسان ـ كما يرى الفلاسفة الوجوديون ـ لا يُقاس بعمره البيولوجي، بل بأثره الرمزي. والخلود ليس بقاء الجسد، بل استمرار المعنى. وهنا يتجلى المعنى العميق لمقولة: "يموت الإنسان حين يُنسى، لا حين يُدفن." فالسباعي لم يتحوّل إلى ذكرى جامدة، بل إلى ذاكرة حية، تتحرك في الوجدان الجمعي، وفي النصوص، وفي السرديات، وفي الخطاب الثقافي، وفي الضمير الاجتماعي. رابعًا: المشهد الجمعي – جنازة تتحوّل إلى رمز حين خرجت مصر تودّع يوسف السباعي، لم تكن جنازة، بل كانت طقسًا رمزيًا، أشبه بـ"طقوس العبور" في الأنثروبولوجيا الثقافية، حيث يتحول الموت إلى حدث اجتماعي، والرحيل إلى معنى. ذلك المشهد أعاد للأذهان ما قاله قاسم أمين عن نبض قلب مصر في دنشواي، وما ارتبط بجنازة مصطفى كامل، لكن الفرق أن يوسف السباعي لم يكن زعيمًا سياسيًا فقط، بل كان وجدانًا ثقافيًا. كانت القاهرة كلها قلبًا واحدًا، وكانت الجموع جسدًا واحدًا، وكان النعش رمزًا لوحدة الوجدان الوطني، حيث تتلاشى الفروق الطبقية، وتذوب الانتماءات الأيديولوجية، ويبقى الإنسان فقط. خامسًا: يوسف السباعي والمثقف العربي – أزمة الدور والوظيفة يمثل يوسف السباعي نموذجًا مختلفًا للمثقف العربي، لا المثقف الصدامي فقط، ولا المثقف التبريري، بل المثقف الوسيط بين المجتمع والدولة، بين الفكر والواقع، بين الحلم والمؤسسة. وقد كان يؤمن بأن المثقف الحقيقي: • لا يعيش في برج عاجي • ولا يتحول إلى موظف أيديولوجي • ولا يصبح سلعة إعلامية بل يكون ضميرًا نقديًا، وعقلًا أخلاقيًا، ووسيطًا حضاريًا سادسًا: البعد الرمزي – ما الذي يمثله يوسف السباعي؟ يمثل يوسف السباعي: 1. رمز الأخلاق الثقافية 2. رمز الاعتدال الفكري 3. رمز الإنسانية في السياسة 4. رمز الأدب المرتبط بالناس 5. رمز المثقف الشامل هو نموذج نادر لما يسميه علم الاجتماع الثقافي بـ"المثقف العضوي" (Organic Intellectual) بتعبير غرامشي، أي المثقف المتجذر في مجتمعه لا المنفصل عنه. سابعًا: البعد الأدبي – اللغة كروح، والكتابة كحياة لم تكن لغة يوسف السباعي لغة ترف لغوي، بل لغة حياة. لم تكن زخرفًا بل دفئًا. لم تكن استعراضًا بل احتواءً. كانت لغته أقرب إلى صلاة إنسانية، وأشبه بتراتيل وجدانية، فيها البساطة، والصدق، والحنو، والعمق. وكان أدبه: • أدب الإنسان • أدب العاطفة • أدب المعنى • أدب القيم ثامنًا: الرثاء بوصفه فلسفة وجود الرثاء هنا ليس بكاءً فقط، بل فعل مقاومة للنسيان. والحزن ليس ضعفًا، بل وعي بالفقد. والدمعة ليست انكسارًا، بل اعتراف بالقيمة. فالرثاء الحقيقي ليس كلمات، بل استمرار في حمل المعنى، واستمرار في حماية الذاكرة من التآكل. خاتمة تأملية – سلام على الراحل سلام عليك يا يوسف السباعي، سلام على وجهك الطيب، سلام على روحك النقية، سلام على قلبك الذي وسع الجميع، سلام على إنسانيتك التي سبقت زمنها، سلام على ثقافتك التي لم تعرف التعالي، سلام على أخلاقك التي لم تعرف الزيف، سلام على حياتك التي كانت رسالة، سلام على موتك الذي صار معنى، وسلام على ذكراك التي صارت وطنًا. يوسف السباعي لم يمت… بل تحوّل من جسد إلى معنى، ومن زمن إلى ذاكرة، ومن حياة إلى رسالة، ومن إنسان إلى رمز. مراجع عربية وأجنبية مراجع عربية: 1. عبد الله العروي – مفهوم المثقف 2. محمد عابد الجابري – إشكاليات الفكر العربي المعاصر 3. علي حرب – نقد الحقيقة 4. محمود أمين العالم – الثقافة والسلطة 5. صلاح فضل – بلاغة الخطاب وعلم النص 6. يوسف السباعي – ذكرياتي 7. لويس عوض – تاريخ الفكر المصري الحديث مراجع أجنبية: 1. Antonio Gramsci – Prison Notebooks 2. Erich Fromm – The Art of Loving 3. Viktor Frankl – Man’s Search for Meaning 4. Michel Foucault – Power/Knowledge 5. Pierre Bourdieu – Language and Symbolic Power 6. Albert Camus – The Myth of Sisyphus 7. Jean-Paul Sartre – Existentialism is a Humanism

مدونة فكر أديب

مرحبًا! أنا كاتب متحمس للاكتشاف والتعلم، وأجد الإلهام في تفاصيل الحياة. أحب القراءة والغوص في عوالم جديدة من خلال الكتب، والكتابة تعبر عن أفكاري ومشاعري. تجربتي الطويلة قد أكسبتني ثراءً في الفهم والتحليل. أنا هنا لمشاركة تلك الخبرات والتفاصيل الجميلة مع الآخرين. دعونا نستمتع معًا بسحر الكلمات والأفكار.

إرسال تعليق

أحدث أقدم

نموذج الاتصال