و اختلط الليل بالعقل

و اختلط الليل بالعقل
كانت الساعة تشير إلى الواحدة بعد منتصف الليل، تلك الساعة التي تتخلى فيها المدن عن أقنعتها، وتترك الأرواح وحدها في مواجهة مراياها. في قسم الزيتون، حيث تصطف المكاتب كجنود متعبين، دخلت سيدة في أواخر الأربعينيات، وجهها شاحب، وعيناها كبحيرتين مضطربتين، يتناوب عليهما الخوف والانكسار. كانت تبكي بمرارة، لا كبكاءٍ عابر، بل كنواحٍ طويل يجر خلفه تاريخًا من القلق والخذلان. وقف ضابط النوبتجية، رجل خمسيني، على عتبة مكتبه، يراقب ارتجاف كتفيها، واستقامة ظهرها المتوترة. لم يسألها عن شيء. أدرك بحسه القديم أن هذه الدموع لا تُستجوب، بل تُستقبل. ترك لها المساحة لتتكلم، كما يترك الكاهن للمذنب فسحة الاعتراف. قالت بصوتٍ مخنوق: أريد محضرًا رسميًا… أريد أن تُثبت أقوالي حرفًا حرفًا. ارتعشت الكلمات قبل أن تستقر على شفتيها، وكأنها تخشى الخروج إلى العالم. قالت إن لها خالًا يسكن في حي الجمالية، وإنه كثير التردد على بيتها، رغم القطيعة وسوء التفاهم. قالت ذلك بنبرة مشوبة بالريبة، كأنها تعيد ترتيب مشاهد قديمة داخل رأسها. ثم أضافت أن خالها حضر تلك الليلة إلى البيت، بينما كانت هي وزوجها خارج المنزل في زيارة لأقرباء الزوج. توقفت لحظة، بلعت ريقها بصعوبة، ثم انهمرت الكلمات كالسيل: عندما عدنا، أخبرتني بناتي الأربع أنه كان هنا… وأنه… اعتدى عليهن جميعًا… بالقوة. سقط الصمت كحجر ثقيل في الغرفة. الضابط لم يتحرك. لم يرمش. فقط راقب ارتجاف يديها وهي تضغط على طرف حجابها، كأنها تحاول أن تمسك بالعالم قبل أن ينفلت منها. تابعت: لم يجرؤن على إخباري، بكين فقط… وأنا فهمت. كان هناك شيء في نبرتها لا ينسجم مع فظاعة الاتهام. لم تكن الصدمة حاضرة كما ينبغي، بل شيء أقرب إلى استعادة ذكرى قديمة، ذكرى تُعاد صياغتها من جديد. لم يكن بكاؤها وليد اللحظة، بل امتدادًا لبكاء أسبق، أعمق. سألها الضابط عن عنوانها، عن أسماء بناتها، عن تفاصيل الواقعة. كانت تجيب، لكنها أحيانًا تتيه، تتوقف، ثم تعود لتكرر الجمل ذاتها، بصياغات مختلفة. كأنها تدور في حلقة مغلقة. بعث الضابط في طلب أحد أقاربها. بعد قليل حضر الزوج، رجل في أواخر الأربعينيات أيضًا، بملامح منهكة، وعينين تحملان تعب سنوات طويلة من الصبر والخوف. ما إن رأى زوجته حتى تنهد بعمق، وقال: كنت أبحث عنها منذ ساعتين… عدت إلى البيت في العاشرة ولم أجدها. عرفت أنها ستأتي إلى هنا. نظر إليه الضابط باستغراب. جلس الزوج، وأسند رأسه إلى الجدار، ثم قال بصوت خافت: زوجتي تعاني من أزمة نفسية. نوبات تأتيها فجأة. في كل مرة، تتهم خالها. ثم تترك البيت، وتسير في الشوارع بلا وعي. ساد صمت ثقيل. المرأة كانت تحدق في الأرض، تهمس: إنه مذنب… هو دائمًا مذنب. أضاف الزوج: هذا الاتهام يعود إلى حادثة قديمة. كانت طفلة صغيرة، ومرت بتجربة أثرت في نفسها. لم يكن اعتداءً بالمعنى الجنائي، لكنه كان موقفًا ترك جرحًا لم يلتئم. رفع الضابط حاجبيه. في داخله، بدأ خيط الفكرة ينسج نفسه ببطء: ليست كل الجرائم في الخارج. بعضها يقيم داخل العقول، يتخفى في ثنايا الذاكرة، ويتخذ من الواقع مسرحًا لإعادة تمثيل الألم. في طريق عودتها مع زوجها، كانت الشوارع شبه خالية. المصابيح الصفراء تنثر ضوءًا واهيًا على الأرصفة، وكأنها تكتب رسائل قصيرة للمارّة: احذروا أحلامكم. كانت تمشي صامتة، تحدق أمامها، بينما يمسك الزوج بيدها كمن يمسك بطفل يخشى عليه الضياع. داخل عقلها، كان المشهد مختلفًا تمامًا. كانت تعود إلى طفولتها، إلى ذلك البيت القديم في الجمالية، حيث الروائح الثقيلة، والستائر السميكة، والأبواب التي لا تُغلق تمامًا. كانت طفلة تجلس في زاوية الغرفة، تراقب الكبار وهم يتحدثون عن أشياء لا تفهمها. ثم دخل خالها، بوجهٍ صارم، وصوتٍ خشن، ومدّ يده ليشدها من ذراعها. لم يحدث شيء كبير، لا صراخ ولا دماء، فقط قبضة قوية، وكلمة قاسية، ونظرة جعلت جسدها الصغير يرتعش. لكنها، في داخلها، أحست أن شيئًا ما قد انكسر إلى الأبد. ذلك الكسر ظل ينمو، يتحول إلى خوف، ثم إلى غضب، ثم إلى يقين راسخ بأن هذا الرجل يمثل الخطر كله. كبرت، وتزوجت، وأنجبت أربع بنات. لكنها لم تكبر من الداخل. ظلت تلك الطفلة ساكنة فيها، تبكي، تصرخ، تتهم. ومع كل أزمة، كان العقل يعيد ترتيب المشهد، ويضخم تفاصيله، حتى يصبح الاعتداء حقيقة كاملة، لا تقبل الشك. في إحدى جلسات العلاج النفسي، جلست أمام الطبيب، شابة الروح رغم تجاعيد وجهها. قال لها بهدوء: أنتِ لا تكذبين. أنتِ تعيشين واقعًا صنعه الألم. نظرت إليه باستغراب. كيف يكون الألم واقعًا؟ ابتسم الطبيب بحزن: العقل حين يُصاب، يحاول حماية نفسه. يعيد كتابة القصة بحيث يكون للجرح معنى. أنتِ تحولين خوف الطفولة إلى جريمة، لأن الجريمة تبرر الألم. سكتت طويلاً. لأول مرة، شعرت أن هناك احتمالًا آخر غير الانتقام. لكن الاحتمال كان مؤلمًا؛ أن تكون عدوة نفسها. في البيت، كانت بناتها الأربع يراقبنها بعيون خائفة. كن يعرفن نوباتها. يعرفن كيف تتحول فجأة إلى امرأة أخرى، وكيف يصبح الخال شبحًا يحوم حول الجدران. اقتربت الكبرى، أمسكت بيدها، وقالت: ماما، لم يحدث شيء. خالي لم يأتِ. نظرت إليها الأم بعينين زائغتين. لكنني رأيته… كان هنا. تدخل الزوج بهدوء: رأيته في ذاكرتكِ. جلست على الأريكة، وأسندت رأسها إلى ظهرها. أغمضت عينيها. لأول مرة، حاولت أن تفرق بين ما حدث فعلًا، وما صنعه عقلها. كانت المهمة شاقة، كمن يحاول فصل الملح عن الماء. في تلك الليلة، حلمت حلمًا مختلفًا. رأت نفسها طفلة، تجلس في الزاوية ذاتها. دخل الخال، لكن هذه المرة، لم يمد يده. جلس بعيدًا، ونظر إليها بحزن، ثم خرج. لم يكن وحشًا، بل إنسانًا هشًا، محاصرًا بأخطائه وحدوده. استيقظت وهي تبكي، لكن بكاءً جديدًا، أقل فزعًا، أكثر صفاءً. أحست أن شيئًا ما قد تحرر داخلها. بعد أسابيع من العلاج، بدأت تستعيد توازنها. لم تختفِ الكوابيس تمامًا، لكنها لم تعد تتحكم فيها. صارت تفهم أن الجريمة ليست دائمًا فعلًا خارجيًا، بل أحيانًا قصة نرويها لأنفسنا لننجو. وفي إحدى الجلسات، قالت للطبيب: هل يعني هذا أنني كنت أظلم خالي؟ أجابها: ليس بالضرورة. يعني فقط أن الألم حين يُهمل، يتحول إلى قاضٍ أعمى. في النهاية، أدركت أن وراء كل جريمة حكاية أعمق، وأن العدل الحقيقي يبدأ حين نجرؤ على مواجهة ذواتنا. كانت تمشي في الشارع ذاته الذي هربت فيه ذات ليلة، لكنها الآن تمشي بوعي. المصابيح الصفراء بدت أكثر دفئًا، والمدينة أقل قسوة. رفعت رأسها إلى السماء، وهمست: لستُ مجنونة… أنا فقط جريحة. وكان ذلك الاعتراف بداية الشفاء.

مدونة فكر أديب

مرحبًا! أنا كاتب متحمس للاكتشاف والتعلم، وأجد الإلهام في تفاصيل الحياة. أحب القراءة والغوص في عوالم جديدة من خلال الكتب، والكتابة تعبر عن أفكاري ومشاعري. تجربتي الطويلة قد أكسبتني ثراءً في الفهم والتحليل. أنا هنا لمشاركة تلك الخبرات والتفاصيل الجميلة مع الآخرين. دعونا نستمتع معًا بسحر الكلمات والأفكار.

إرسال تعليق

أحدث أقدم

نموذج الاتصال