أشواق وأذواق
في مغاصات العارف الصوفية
مقدمات وأحوال
في أعماق التجربة الصوفية، حيث تتقاطع أنفاس الأرواح مع أنوار الغيوب، وتتماوج الأشواق في بحار الأذواق، تتجلّى للعارف عوالم لا تحدّها العبارة، ولا تُحيط بها الإشارة. هناك، في تلك المغاصات السحيقة، ينسكب الوجد الصافي، وتترقرق دموع الشوق، ويخفق القلب بأنغام الحب الإلهي، فيتماهى الحزن بالطرب، ويعانق الأنس الوله، وتتمازج اللذة بالألم، حتى يصبح السالك كمن يمشي على حدّ السيف بين الفناء والبقاء، وبين الغيبة والحضور.
ومن هذه المغاصات، ومن تلك الأحوال، تأتينا أنفاس الصوفية، مضمّخة بعبق الأشواق، محمّلة بأقباس الأنس، مطرّزة بأنغام الوله والحنين، مصبوغة بألوان الحزن والفرح معًا. فالسالك في طريق الله لا يعرف استقرارًا؛ إذ تتقلب أحواله بتقلب واردات الحق، كما تتقلب ألوان السماء عند الغروب والشروق. فهو تارة في نشوة الطرب، وتارة في لوعة الشوق، وتارة في سكون الرضا، وتارة في اضطرام الهيبة. وكلها مقامات تتنزل عليه بحسب صدقه، وإخلاصه، وصفاء سريرته.
وفي مقام الحفظ، يتجرد الحب للمحبوب وحده، حتى يكون الميل إلى سواه شركًا في المحبة، أو ردة عن شرع العشق. فالحب في عرف الصوفية توحيد، لا يقبل القسمة ولا يرضى بالمشاركة. ولذلك قال سلطان العاشقين:
فلو خطرت لي في سواك إرادة على خاطري سهوًا قضيتُ بردّتي
وهنا يبلغ العشق ذروة التجرّد؛ إذ لا يبقى في القلب متّسع لغير المحبوب، فيغدو الحب عبادة، والعبادة عشقًا، وتلتقي النهاية بالبداية في دائرة نورانية مغلقة لا تعرف الانفصام.
ولا يزال العاشق يتدرج في معارج العشق ومقاماته حتى يصل إلى مرتبة يتحول فيها إدراكه عن غير المعشوق، فلا يرى في الكون إلا تجليات الحبيب، ولا يشهد في الوجود إلا أنواره. فكل شيء عنده مرآة تعكس جمال الحق، وكل صورة شاهد على حضوره. وهنا يصدق قولهم:
خيالك في عيني وذكراك في فمي ومثواك في قلبي فأين تغيب
وفي هذا المقام يذوب الحدّ الفاصل بين الرؤية والذكر، بين الشهود والغياب، فيصبح العاشق كائنًا يتنفّس حضور محبوبه في كل آن. ويترنم شعرهم بهذا المعنى في صور متعددة:
على بُعدك لا يصبر من عادته القرب
وعن قربك لا يصبر من تيمه الحب
فإن لم ترك العين فقد أبصرك القلب
ويبدو الشوق هنا عجيبًا؛ إذ كيف يشتاق من هو في القرب؟ لكن القرب الصوفي ليس قرب المسافة، بل قرب المعنى. ولذلك قالوا:
ومن عجبٍ إني أحنّ إليهم وأسأل عنهم من لقين وهم معي
وتطلبهم عيني وهم في سوادها ويشتاق قلبي وهم بين أضلعي
إنه شوق من نوع آخر، شوق إلى كمال الحضور، وإلى صفاء الشهود، وإلى دوام الوصل. فكل قرب لا يخلو من بعد، وكل وصال لا ينفك عن فراق، لأن المقصود في نهاية المطاف هو الله المطلق، الذي لا يحدّه زمان ولا مكان.
وإذا بلغ العاشق مرتبة العدم الكلي، انصرف عن علائق الدنيا، وتحرر من قيود المادة، ومات عن نفسه ليحيا بالله. فالعدم هنا ليس فناء الوجود، بل فناء الأنانية، وسقوط الأوهام، وانمحاء الأغراض. يقول أحدهم:
فموتي بها وجدًا حياة هنيئة وإن لم أمت بالحب عشتُ بغضّتي
وهذا قريب من مقام الفناء، حيث يفنى العاشق في المعشوق، فلا يرى لنفسه وجودًا مستقلًا، ولا يشعر بكيان منفصل. وفي هذا يقول سلطان العاشقين:
فلم تهوني ما لم تكن فيَّ فانيًا ولم تفنَ ما لم تجتلي فيك صورتي
ويقول الحسين بن منصور الحلاج:
وتحَقّقتَك في السر فناجاك لسامي فاجتمعا لمعانٍ وافترقا لمعاني
وفي مقام الفناء قال الحلاج بيتيه الشهيرين:
أنا من أهوى ومن أهوى أنا نحن روحان حللنا بدنا
فإذا أبصرتَه أبصرتني وإذا أبصرتني أبصرتنا
وليس هذا المعنى عنده خاطرة عابرة، بل فكرة أصيلة تتردد في شعره بأشكال شتى:
مزجتَ روحك في روحي كما تمزج الخمرة بالماء الزلال
فإذا مسّك شيء مسّني فإذا أنت أنا في كل حال
هذه العبارات التي سُمّيت شطحات كانت سببًا في اصطدام الصوفية بأهل الظاهر، واشتداد الصراع بينهم منذ القرن الثالث الهجري. فاتهم الصوفية بالزندقة، ورُموا بالكفر، وأوذوا، واستشهد بعضهم، كما وقع للحلاج والسهروردي. غير أن الإمام الغزالي حسم هذا الصراع حين بيّن أن التصوف هو لبّ الدين وروحه، وأنه الطريق الأقوم إلى اليقين، متجاوزًا حدود الجدل الكلامي وتيه الفلسفة.
الحب الإلهي والحب البشري
الحب عند الصوفية ليس عاطفة عابرة، بل منهج وجودي، وطريق معرفة. فالتصوف رحلة إلى الحقيقة عبر الإدراك الوجداني، والتخلص من كثافة المادة، والدخول في عالم اللطافة والنور. ومن خصائص الحب أن المحب يحب كل ما يصدر عن المحبوب، ولذلك أحب الصوفية الكون كله؛ لأنه مظهر جمال الله. فمن أحب الله أحب خلقه، ومن أحب الخلق عاد حبه إلى الله.
وفي المنهج السلوكي، تتجلى المحبة في العلاقة بين الشيخ والمريد، وفي روابط الأخوّة بين السالكين، وفي رحمة الصوفي بالإنسانية جمعاء. أما في الفلسفة الروحية، فإن الحب البشري يظل مرحلة تمهيدية، يعبر بها السالك إلى الحب الإلهي. وقد سُئلت رابعة العدوية عن حبها لرسول الله ﷺ فقالت: «إني أحبه حبًا شديدًا، ولكن حب الخالق شغلني عن حب المخلوق .
وهذا لا يعني انتقاصًا من قدر النبي، بل تعظيمًا لمقام الله في القلب، إذ إذا استغرق الحب الإلهي القلب طغى على كل حب سواه. وفي هذا يقول الحلاج:
مكانك من قلبي هو القلب كله فليس لخلق في مكانك موضع
الشعر الصوفي
الشعر الصوفي لون فريد في الأدب العربي، تميّز بموضوعه وأسلوبه ورموزه. له معجمه الخاص، ولغته الإشارية، التي تتجاوز حدود العبارة المباشرة إلى فضاءات الرمز والكناية. وقد لجأ الصوفية إلى الغموض لأسباب عدة: منها صيانة الأسرار الروحية، ومنها اتقاء سطوة الفقهاء، ومنها عجز اللغة عن احتواء التجربة الصوفية اللامتناهية.
وقد عبّروا عن ذلك بقولهم:
وإن قميصًا خيط من نسج تسعة وعشرين حرفًا عن معانيك يقصر
فكيف للغة محدودة بحروف معدودة أن تحتوي عوالم لا حد لها؟ ولهذا جاء شعرهم رمزيًا، غامضًا، مشحونًا بالإيحاء. وهذا الغموض نفسه يمنح النص الصوفي لذة فنية، إذ يدعو القارئ إلى التأمل والتدبر، ويمنحه متعة الكشف.
ومن خصائص الشعر الصوفي وحدة الموضوع؛ فالديوان الصوفي يدور غالبًا حول محور واحد: الحب الإلهي، والتوبة، والإنابة، والشوق، والفناء. خلافًا للدواوين التقليدية التي تتنوع موضوعاتها بين مدح وهجاء وغزل ووصف. وهذا ما يجعل الشعر الصوفي تجربة متكاملة، لا مجرد قصائد متفرقة.
وقد ازدهر الشعر الصوفي بالفارسية ازدهارًا عظيمًا، حتى فاق نظيره العربي كمًا وكيفًا، غير أن الترجمة لا تستطيع نقل جماله الكامل، لأن الشعر روح قبل أن يكون معنى، وإيقاع قبل أن يكون فكرة.
رابعة العدوية: قيثارة الحب الإلهي
تُعد رابعة العدوية المقدمة الموسيقية الأولى في سمفونية الحب الإلهي. فقد سبقت عصرها في التعبير عن تجربتها الروحية بنغم عذب، وصدق عميق. كانت تقول: «ما عبدته خوفًا من ناره، ولا طمعًا في جنته، ولكن عبدته حبًا له وشوقًا إليه». وهنا تتجلى ذروة الإخلاص، حيث تتحرر العبادة من رهبة العقاب ورغبة الثواب، لتصير حبًا خالصًا.
وقالت في وصف حالها:
كأسي وخمري والنديم ثلاثة وأنا المشوقة في المحبة رابعة
وفي أبياتها نلمس صفاء الروح، وعمق الذوق، وصدق المعاناة:
فإذا نظرتُ فلا أرى إلا له وإذا حضرتُ فلا أرى إلا معه
إنها لغة القلب حين يتكلم، ونشيد الروح حين تتخفف من أثقال الجسد.
خاتمة
هكذا تتجلى مغاصات العارف الصوفية: عوالم من النور، ومقامات من الوجد، ومنازل من الشوق، ومسالك من الحب. إنها رحلة من الظاهر إلى الباطن، ومن الكثرة إلى الوحدة، ومن العبودية إلى الحرية الروحية. وفي هذه الرحلة يكتشف الإنسان سر وجوده، ويعرف أن حقيقته أعمق من جسده، وأوسع من فكره، وأن قلبه موضع نظر الله، وأن الحب هو الجسر الأعظم الذي يعبر به من عالم الشهادة إلى عالم الغيب.
وفي زمن طغت فيه المادية، وتصلّبت فيه القلوب، يبقى التصوف دعوة إلى إحياء الروح، وترميم الداخل، واستعادة الإنسان لإنسانيته. فالحب الصوفي ليس هروبًا من الحياة، بل عودة إليها في أنقى صورها، حيث يصير الإنسان رحمة تمشي على الأرض، ونورًا يسعى بين الناس، وسلامًا يعمّ الوجود .
