لحنُ المجتمعِ والوطن قراءةٌ في صورة أحمد شوقي بين الإنسان والشاعر

لحنُ المجتمعِ والوطن قراءةٌ في صورة أحمد شوقي بين الإنسان والشاعر
بقلمٍ لا يعرف الالتفاف ولا يهادن الزيف، نقول منذ البدء: إن الكتاب موضوع النقد ليس نصًّا عابرًا، ولا جهدًا ساذجًا، بل محاولة جادّة لفهم ظاهرة شعرية كبرى اسمها أحمد شوقي، لكنها محاولة شابها ارتباك المنهج، واضطراب الرؤية، واختلاط المقاصد بين الموضوعية والمداراة، وبين النقد والتحسين، وبين البحث العلمي والرغبة الأخلاقية في “التوازن الشكلي”. لسنا أمام نقدٍ معرفيٍّ صارم، بل أمام خطابٍ مزدوج الصوت: صوتٌ يقول الحقيقة، وصوتٌ يخاف نتائجها. صوتٌ يكشف العيب، وصوتٌ يهرع لتجميله. صوتُ عقلٍ يريد الإنصاف، وصوتُ نفسٍ تخشى القسوة. وهنا تبدأ الإشكالية. أولًا: المداراة بوصفها مرضًا معرفيًا لا خُلقيًا المداراة – في بعدها الأخلاقي – قد تكون لينًا محمودًا، لكن حين تتحول إلى منهج تفكير تصبح فسادًا معرفيًا. حين يعتاد العقل أن يرى الشيء ونقيضه في اللحظة نفسها، لا يعود يملك قدرة التمييز، بل يدخل في ما يشبه الانفصام الإدراكي: عينٌ ترى القبح، وأخرى تُصرّ على الجمال، ولو لم يكن موجودًا. وهذا ما يفسر الظاهرة الخطيرة: أن يُذكر العيب، ثم يُفرَّغ من معناه بتبريرٍ تجميليٍّ لا يفسّره، بل يمحوه نفسيًا. في علم النفس المعرفي، هذا يُسمّى التنافر المعرفي (Cognitive Dissonance): حين يعجز العقل عن تقبّل حقيقة مزعجة، فيخلق تفسيرًا بديلًا مريحًا نفسيًا، لا صادقًا معرفيًا. وهذا تمامًا ما نراه في الكتاب: • اتهام شوقي بالنفعية السياسية • ثم تبريرها بأنها “حب للوئام” • اتهامه بالتقلب • ثم تفسيره بـ“الرهف الشعري” • اتهامه بالسطحية • ثم إعلان نجاحه الفني فتتولد بنية فكرية مشوشة: نقدٌ يُقال… ثم يُسحب… ثم يُزيَّن… ثم يُفرَّغ من دلالته. ثانيًا: شوقي بين الشخصية الاجتماعية والذات النفسية شوقي الإنسان شوقي لم يكن كائنًا شعريًا خالصًا، بل نتاج بيئة سلطوية: • قصر • بلاط • سياسة • علاقات نفوذ • مصالح • شبكة اجتماعية معقّدة وهذا يفسر: • التقلب • البراغماتية • تعدد الولاءات • المرونة السياسية • ازدواجية الخطاب وهذه ليست شتيمة، بل توصيف سوسيولوجي: الإنسان ابن بنيته الاجتماعية قبل أن يكون ابن عبقريته الفردية. شوقي الشاعر أما شوقي الشاعر، فكان: • ذا طاقة لغوية هائلة • ذا موسيقى داخلية فريدة • ذا بناء شعري فخم • ذا صنعة عالية • لكن في كثير من المواضع: بلا توتر وجودي عميق ، بلا قلق فلسفي داخلي ، بلا تفجير شعوري جذري أي أنه: شاعر بناءٍ أكثر منه شاعر انكسار ، شاعر صياغة أكثر منه شاعر تجربة ، شاعر خطاب أكثر منه شاعر وجدان ثالثًا: الخلل المنهجي في النقد 1) تفكيك العمل الفني إلى عناصر مستقلة العمل الفني كائن عضوي، لا آلة ميكانيكية. لا يمكن فصل: • الفكرة • الشعور • الصورة • الموسيقى • البناء لأن: إذا فسد عضو، اختلّ الجسد كله. تقسيم النص إلى: • فكر • معنى • مبنى هو منهج مدرسي، تعليمي، لا نقدي. النقد الحقيقي نظرة كلية، لا جداول تحليل. نثر الشعر وتحويله إلى أفكار هذا أخطر ما في الكتاب: اعتبار المعنى كيانًا مستقلًا عن الشعور. بينما الحقيقة: الشعر ليس فكرة تُقال، بل شعور يتجسّد. الشاعر لا يكتب ليُثبت فكرة، بل ليُفرّغ حالة شعورية. ولهذا: ذكر الموت ليس تقريرًا منطقيًا، بل استدعاء شعوري للعدم، للفناء، للهشاشة، للزوال. رابعًا: شوقي وعرابي – التحليل النفسي هجاء شوقي لعرابي لا يُفسَّر وطنيًا، بل نفسيًا: • كان شوقي ابن القصر • عرابي كان ابن الشارع • القصر يرى الثورة تهديدًا • والشارع يرى القصر استبدادًا فالهجاء هنا ليس وطنيًا، بل صراعيًّا رمزيًا: صراع طبقات ، صراع ولاءات ، صراع انتماءات ، صراع هويات وليس صراع حبٍّ للوطن. خامسًا: أزمة “الموضوعية الشكلية” الكتاب يُمارس ما يمكن تسميته: الموضوعية التزيينية أي: ذكر حسنة مع كل سيئة ، لا لصدق الميزان ، بل لتجميل صورة الميزان بينما النقد الحقيقي: ليس توزيعًا عادلًا للصفات ، بل كشفٌ صادقٌ للبنية قد يكون النص كله عيبًا ، وقد يكون كله جمالًا ، وقد يكون خليطًا غير متوازن . ولا مشكلة في ذلك. الميزان لا يحتاج إلى تجميل، بل إلى صدق. سادسًا: القراءة الفلسفية لشعر شوقي شعر شوقي يقوم على: • الجمال الشكلي • الفخامة اللفظية • الإيقاع الموسيقي • التركيب البلاغي • الذاكرة التراثية لكنه غالبًا يفتقر إلى: • القلق الوجودي • التوتر الداخلي • السؤال الفلسفي • الصراع النفسي • التمرد المعرفي ولهذا هو: شاعر حضارة ، لا شاعر أزمة ، شاعر نظام ، لا شاعر فوضى ، شاعر بناء ، لا شاعر انكسار وهذا لا ينقص من قيمته الفنية، بل يحدد موقعه الوجودي في تاريخ الشعر. شوقي لم يكن يغنّي الوطن بوصفه فكرة، بل الوطن بوصفه نظامًا رمزيًا: • تاريخ • أمجاد • سلاطين • ملوك • آثار • حضارة الوطن عنده: كيان حضاري لا تجربة معيشة ، رمز لا جرح ، فكرة لا ألم ، صورة لا صراع بينما الوطن في الشعر الحديث: وجع ، قلق ، اغتراب ، تمزق ، سؤال وجودي وهنا الفرق الجوهري بين شعر النهضة وشعر الحداثة. ثامنًا: شوقي بين الفن والتاريخ شوقي ليس شاعر ثورة، ولا شاعر تحرر، ولا شاعر احتجاج، بل شاعر الدولة الثقافية. هو: • صوت الأمة الرسمية • لسان الحضارة • شاعر الذاكرة الجمعية • مؤرخ الوجدان القومي • لا شاعر الذات الفردية خلاصة فلسفية أحمد شوقي ليس أسطورة كاملة ، ولا رمزًا مطلقًا ، ولا عبقرية معصومة ، ولا شاعرًا عاديًا بل هو: إنسان معقّد ، شاعر عظيم الصنعة ، محدود التجربة ، قوي اللغة ، متوسط العمق الوجودي ، كبير الأثر الحضاري متذبذب الموقف السياسي ، ثابت الموقع الثقافي خاتمة هذا الكتاب – رغم كل عيوبه – يشير إلى قدرة فكرية حقيقية، لكنه يعاني من: 1. اضطراب المنهج 2. ازدواج الرؤية 3. الخوف من الحقيقة 4. الخلط بين النقد والتهذيب 5. تحويل الموضوعية إلى توازن شكلي 6. المدرسية التحليلية 7. ضعف الجرأة الفلسفية ومع ذلك، فهو بداية طريق لا نهايته، محاولة وعي لا كمالها، وخطوة في مشروع نقدي لم يكتمل بعد. جملة ختامية شاعرية: شوقي لم يكن نشيد الذات، بل نشيد الأمة، ولم يكن صرخة الجرح، بل نشيد الذاكرة، ولم يكن صوت القلق، بل صوت النظام، وكان – رغم ذلك – لحنًا خالدًا في موسيقى اللغة، لأن الجمال أحيانًا لا يحتاج إلى عمق، بل إلى صدق الصياغة… وإتقان الصوت. مراجع : • أحمد شوقي – الدواوين الكاملة • عباس محمود العقاد – الديوان في الأدب والنقد • طه حسين – حديث الأربعاء • عبد القاهر الجرجاني – دلائل الإعجاز • إحسان عباس – تاريخ النقد الأدبي عند العرب • أدونيس – زمن الشعر • باشلار – جماليات المكان • نيتشه – ميلاد التراجيديا • فرويد – علم النفس الأدبي • إريك فروم – الإنسان بين الجوهر والاغتراب

مدونة فكر أديب

مرحبًا! أنا كاتب متحمس للاكتشاف والتعلم، وأجد الإلهام في تفاصيل الحياة. أحب القراءة والغوص في عوالم جديدة من خلال الكتب، والكتابة تعبر عن أفكاري ومشاعري. تجربتي الطويلة قد أكسبتني ثراءً في الفهم والتحليل. أنا هنا لمشاركة تلك الخبرات والتفاصيل الجميلة مع الآخرين. دعونا نستمتع معًا بسحر الكلمات والأفكار.

إرسال تعليق

أحدث أقدم

نموذج الاتصال