أمريكا صانعة الإرهاب:
دراسة في إرهاب الدولة وجرائم الحرب
منذ منتصف القرن العشرين وحتى يومنا هذا، ظلّت الولايات المتحدة الأمريكية محورًا للجدل في الأوساط الأكاديمية والسياسية، متهمةً بالضلوع في دعم وممارسة ما يُعرف بـ"إرهاب الدولة" تحت ستار حماية الديمقراطية وحقوق الإنسان. يرى كثير من الباحثين أن سياسات الولايات المتحدة الخارجية قد أسهمت في خلق مناخٍ عالمي من الرعب والقمع، عبر دعم أنظمةٍ استبدادية وحركاتٍ عسكرية موالية لها في أنحاء مختلفة من العالم، خاصة في فترات الحرب الباردة وما تلاها.
أولًا: إرهاب الدولة الأمريكي – الجذور الفكرية والسياسية
يرى نعوم تشومسكي وإدوارد إس. هيرمان في كتابهما "اقتصاد حقوق الإنسان السياسي" (1979) أن الولايات المتحدة مارست إرهاب الدولة بوصفه أداة استراتيجية للحفاظ على النظام الرأسمالي العالمي. لم يكن الإرهاب – في نظرهما – انحرافًا عن القيم الأمريكية، بل كان امتدادًا طبيعيًا لسياسات السيطرة الاقتصادية والعسكرية. فخلال الحرب الباردة، اتخذت واشنطن من "مكافحة الشيوعية" ذريعة لتبرير تدخلاتها في شؤون الدول النامية، مما أدى إلى دعم دكتاتورياتٍ عسكرية في أمريكا اللاتينية وجنوب شرق آسيا وأفريقيا.
ويشير الباحث فريدريك جارو في كتابه "إرهاب الدولة والولايات المتحدة" (2004) إلى أن الولايات المتحدة قد أنشأت شبكة عالمية من الأنظمة العميلة التي تعتمد عليها في الحفاظ على مصالحها الاستراتيجية. ومن خلال هذه الشبكة، مارست واشنطن إرهابًا ممنهجًا تجلى في القتل الجماعي، والإخفاء القسري، والتعذيب، والتدخل في الشؤون الداخلية للدول تحت شعاراتٍ إنسانية براقة.
تؤكد الباحثة روث جاي بلاكيلي أن هذه السياسات لم تكن مجرد ممارسات عرضية، بل كانت سياسة ممنهجة تهدف إلى بسط الهيمنة الاقتصادية للنيوليبرالية عبر القمع والإرهاب. وتشير إلى أن الولايات المتحدة وحلفاءها الغربيين قد استخدموا “الخوف من الشيوعية” كوسيلة لتبرير أفعالهم الوحشية التي راح ضحيتها مئات الآلاف في أمريكا اللاتينية وجنوب شرق آسيا.
ثانيًا: أمثلة تاريخية على إرهاب الدولة الأمريكي
1 - في أمريكا اللاتينية:
منذ خمسينيات القرن العشرين، دعمت الولايات المتحدة أنظمةً قمعية في تشيلي، وغواتيمالا، ونيكاراغوا، والأرجنتين، ضمن ما عُرف بعملية “كوندور” التي كانت تهدف إلى القضاء على الحركات اليسارية. ففي غواتيمالا وحدها، قُتل أكثر من 150 ألف مدني، واختفى خمسون ألفًا آخرون، وقد صنف المؤرخون 93% من هؤلاء الضحايا ضمن فئة "ضحايا إرهاب الدولة".
2 - في الشرق الأقصى:
خلال الاحتلال الإندونيسي لتيمور الشرقية، قُتل نحو 200 ألف مدني بدعمٍ أمريكي مباشر للحكومة الإندونيسية، كما تورطت واشنطن في دعم الإبادة الجماعية في إندونيسيا عامي 1965-1966 التي راح ضحيتها نصف مليون شخص، بتسهيل استخباراتي أمريكي تمثل في تزويد الجيش الإندونيسي بقوائم المعارضين.
3 - في الشرق الأوسط:
في سياق “الحرب على الإرهاب”، مارست الولايات المتحدة أشكالًا متعددة من إرهاب الدولة من خلال غزوها لأفغانستان والعراق، وعمليات القصف الجوي في اليمن وسوريا والصومال. وثّقت منظمات دولية عديدة، منها "هيومن رايتس ووتش" و"العفو الدولية"، مئات الحالات من القتل العشوائي للمدنيين والتعذيب في السجون السرية، أبرزها فضيحة سجن أبو غريب التي هزّت الضمير العالمي سنة 2004.
ثالثًا: الإطار القانوني وتعريف الإرهاب
يُستثنى وفق القانون الأمريكي (22 U.S.C. 2656f(d)(2)) أي فعل تقوم به "دولة معترف بها" من تعريف الإرهاب، وهو استثناء مثير للجدل، إذ يسمح للحكومة الأمريكية بتبرير أعمال العنف التي تمارسها في الخارج باعتبارها “دفاعًا عن النفس” أو “حماية للمصالح القومية”. في المقابل، تُدرج أعمال المقاومة ضد الاحتلال ضمن قائمة الإرهاب. يرى المفكر مارك سيلدن أن هذا التمييز القانوني يخفي نفاقًا سياسيًا واضحًا، إذ يُعفى الأقوياء من المحاسبة بينما يُعاقب الضعفاء.
رابعًا: جرائم الحرب الأمريكية – من الفلبين إلى العراق إلى غزة :
تُعدّ جرائم الحرب الأمريكية أحد أكثر فصول التاريخ الحديث إثارةً للجدل. فمنذ الحرب الفلبينية الأمريكية (1899–1902)، ارتكبت القوات الأمريكية مذابح واسعة، أبرزها "مذبحة سامار" التي أمر بها العميد جاكوب سميث، حين أوصى جنوده بقتل جميع الذكور فوق سن العاشرة، مما أدى إلى مقتل عشرات الآلاف من المدنيين.
في الحرب الكورية (1950–1953)، دمّرت القاذفات الأمريكية ما يقرب من 85% من مدن كوريا الشمالية، مستخدمة النابالم والقنابل الحارقة، ما أدى إلى مقتل مئات الآلاف من المدنيين. وقد أقرّ الجنرال كورتيس لوماي لاحقًا بقوله: "لقد أحرقنا كل بلدة في كوريا الشمالية تقريبًا، وبعضها في الجنوب أيضًا."
أما في فيتنام (1955–1975)، فقد وصلت وحشية الحرب إلى ذروتها. كانت مجزرة ماي لاي (1968) مثالًا صارخًا، حيث قُتل أكثر من 500 مدني أعزل، معظمهم من النساء والأطفال، على يد جنود أمريكيين. كما استخدمت الولايات المتحدة المواد الكيماوية السامة مثل "العامل البرتقالي" لتدمير الغابات والمحاصيل، مما أدى إلى تشوهات خلقية وأمراض مستعصية استمرت لأجيال.
وفي العراق (2003–2011)، خلف الغزو الأمريكي نحو مليوني قتيل مدني بحسب بعض التقديرات، إلى جانب جرائم موثقة كـ"مجزرة ساحة النسور" التي نفذها عناصر من شركة بلاك ووتر، وعمليات التعذيب المنهجي في سجن أبو غريب.
خامسًا: تبرير الإرهاب الأمريكي بلغة “الحرية”
لطالما استخدمت الولايات المتحدة خطابًا مزدوجًا لتبرير أفعالها. ففي حين تقدم نفسها حامية للديمقراطية وحقوق الإنسان، تمارس في الوقت نفسه سياسات تتعارض جذريًا مع هذه المبادئ. يقول تشومسكي إن "الولايات المتحدة لا تعارض الإرهاب، بل تحتكره وتعيد تعريفه بما يخدم مصالحها". فهي تصف مقاومة الاحتلال بالإرهاب، بينما تعتبر قصف المدن الأجنبية “عمليات تحرير”.
سادسًا: إرث العنف وتأثيره العالمي
أدى السلوك الأمريكي في حروبها المتعددة إلى إعادة صياغة مفهوم العنف السياسي في العالم المعاصر. فالحروب التي خاضتها – من الفلبين إلى أفغانستان – لم تترك وراءها سوى الخراب والاضطراب السياسي، وأسهمت في خلق موجات جديدة من التطرف كرد فعل على سياسات الهيمنة. إنّ ما يُسمّى بـ"الحرب على الإرهاب" لم يُضعف الإرهاب، بل زاد من انتشاره وتعقيده، إذ تحولت البلدان التي شهدت التدخل الأمريكي إلى بؤر للعنف والصراعات الأهلية.
سابعا : انشاء الجماعات الارهابية
من السهل تتبع تلك الجماعات التي ساهمت أمريكا في انشائها و تمويلها ، و لعل أبرز هذه الجماعات ، تنظيم القاعدة ، تنظيم طالبان ، تنظيم داعش ، و من العجب أن هذه الجماعات انقلبت على أمريكا ، فاضطرت أمريكا إلى قتل زعمائها ، و قطع التمويل عنها ، صم محاربتها إذا لزم الأمر .
خاتمة
إن تحليل السلوك الأمريكي من منظور أكاديمي وتاريخي يُظهر أن مفهوم “إرهاب الدولة” ليس مجرد اتهامٍ سياسي، بل حقيقة موثقة بالأدلة التاريخية والشهادات الميدانية. فمن الفلبين إلى فيتنام، ومن غواتيمالا إلى العراق، تمارس الولايات المتحدة سياسةً قائمة على الخوف والقوة والعقاب الجماعي، في إطار مشروعٍ إمبراطوري يُعيد إنتاج الاستعمار بوجهٍ حديث. وما تزال هذه السياسات تطرح سؤالًا جوهريًا أمام ضمير الإنسانية: هل يمكن لأمةٍ تدّعي قيادة العالم الحر أن تكون في الوقت ذاته صانعةً للخوف، ومهندسةً للإرهاب العالمي؟
