قضية بين يديّ

قضية بين يديّ
كنت قد تخرّجت حديثًا في كلية الحقوق ، وما زال عبق الجامعة يسكنني ، مزيجٌ من الأحلام والآمال والقلق الذي يتسلل كظلّ خفيّ في الطرقات. التحقتُ بمكتب أحد كبار المحامين لأقضي فترة التمرين ، وكان ذلك بالنسبة إليّ بداية الطريق إلى ما أظنه المجد . غير أنّ المجد في الأحياء الشعبية لا يقاس بالشهادات ولا بالألقاب ، بل بالسمعة ، بالوجه الباسم ، بالتحية ال سمارة ية التي تشيع دفئًا في النفوس. كنتُ معروفًا في حيّنا الشعبي الصغير بوسامتي وأناقتي ، صفاتٌ لم تكن مألوفة بين شباب الحي الذين يلاحقون أرغفة العيش أكثر مما يلاحقون المرايا . كنتُ أعتني بمظهري حدّ الإفراط ربما ، أضع ربطة العنق بعناية ، ألمّع حذائي كل سمارة حتى يلمع في ضوء الشمس كقطعة نقدية جديدة . أخرج من بيتنا المتواضع في شارع ضيق ، وأمضي بين الجيران مبتسمًا ، أحيّي الجميع: عمّ فرحان غلي البقال، وسعيد المكوجي، تعريدة أم خالد التي تبيع الخبز الساخن أمام الباب . الكل يعرفني ، والكل يبادلني المودة. لكنّ هناك من كانت نظراتها تتجاوز المودة، نظراتٌ تحمل ما يشبه الهمس البعيد الذي يلامس الروح دون أن يُقال. كانت هي المعلّمة منار . امرأة في الخمسين من عمرها ، لكنها كانت تبدو أصغر ، قوية الحضور ، كأنّها تحمل في عينيها سيرة طويلة من الصبر والمكابدة والانتصار . كانت تملك محلات خضر وفاكهة في سوق روض الفرج ، وعمارتين في شارعنا ، وعددًا من سيارات الأجرة . لم تتعلم القراءة ، لكنها كانت تفهم لغة الحياة كما يفهم القائد خريطة المعركة. كانت تجلس كل عصر أمام عمارتها، تشرب الشاي، وتدخن الشيشة بأنفة ، تحيط بها هالة من الرجال الذين يعملون في خدمتها. عندما أمرّ ، كانت تنهض فجأة ، تبتسم ، وتصافحني بحرارة ، تضغط على يدي بقوة كأنها تريد أن تنقل شيئًا من دفء قلبها إلى كفيّ. كانت تقول بصوتها الجهوري المملوء بالدلال الشعبي: سمارة نا نادي ، سمارة نا فل وورد، روح ، إلهي يحفظك من عين الحسود. ثمّ تضيف وهي تتابعني بنظراتها : أنا أنضّف الشارع علشان عينيك يا أستاذ ، علشان لما تعدّي تلاقيه زي المراية. كنتُ أضحك بخجل ، أقول لها: شكراً يا ست المعلمات ، ربنا يخليك لنا . فتردّ بصوت عذب فيه بقايا شباب لم يرحل تمامًا: آمرك بس ، وأنا أفرش لك الشارع بالرمل الأصفر ، و الورد . كانت كلماتها تُشيّعني وأنا أمضي إلى عملي. كنت أسمعها تقول: إلهي يحفظك لشبابك يا أستاذ الاساتذة، ويصونك من عين الحسود. كنت أقرأ في عينيها ما لا يُقال ، وأفهم ما تخفيه عباراتها من لهفةٍ أنثويةٍ صامتةٍ ترفض أن تُعلن عن نفسها إلا بمزاحٍ ودعاء . كانت طيبة القلب ، تبذل الخير كمن يتنفسه ، تساعد الفقراء ، وتُطعم الجائعين ، وتحنو على من يعملون عندها . كانت تؤمن أن المال لا قيمة له ما لم يُصرف في وجوه الخير. ولأنها لم تُنجب ، فقد تبنّت ابنة أختها المتوفاة ، سمارة ، فتاة في مقتبل الشباب ، جميلة الوجه باسمته ، رقيقة القسمات، في عينيها لمعة من الذكاء والحياء . درست سمارة حتى حصلت على الثانوية العامة بمجموع مرتفع جدا ، فالتحقت بكلية الطب. كانت المعلّمة منار تفخر بها فخر الأم بوليدها ، وتقول دائماً للجيران بزهوّ: إنشاء الله يطول عمري وأشوف سمارة دكتورة قد الدنيا . كنتُ أراها أحياناً ، واقفة في نافذة شقتها ، حين أمرّ في طريقي إلى المترو . تبتسم لي ابتسامة هادئة ، فأردّ التحية بهزة من رأسي. وكان في تلك النظرة البريئة شيء من الغموض ، من السؤال الذي لا يُقال . وكنتُ أسمع ضحكتها أحيانًا حين تودّعني خالتها بدعائها المألوف ، فأشعر بشيء من خجلٍ لا أعرف له سببًا. مرّت الأيام على هذا النحو ، بين التحيات العابرة والابتسامات ، حتى جاء يوم غيّر كل شيء. كان ذلك في أحد العصاري ، حين استوقفتني المعلّمة منار وأنا متجه إلى المترو . قالت لي بصوتها المألوف ولكن بنبرة مختلفة هذه المرة : يا أستاذ، عندي لك خدمة صغيرة ، واحد من رجّالتي اتمسك في قضية مخدرات ، وعايزة أسندها ليك. أجبتها بلطف : أنا مش متخصص في النوع ده من القضايا ، بس فيه زميلي في المكتب ممكن يتولاها. ابتسمت شاكرة ، وأخذت العنوان . وفي اليوم التالي جاءت إلى المكتب ومعها زوجة المتهم ، وقدّمتها لزميلي . وبعد أن انتهت ، عادت إليّ وحدها . جلست في صمت لحظات ، ثم قالت: ممكن فنجان قهوة يا أستاذ ؟ طلبت لها القهوة ، وقدّمت لها سيجارة ، وبدأنا حديثًا خفيفًا عن العمل ، عن السوق ، عن الحياة . ثم سألتها عن سمارة . ابتسمت بفخر وقالت : بخير الحمد لله ، متفوقة في دراستها ، وأنا ناوية أفتح لها عيادة في المهندسين أول ما تتخرج. قلت لها وأنا أبتسم : ربنا يبارك لك فيها يا معلّمة ، ويحقق لك كل اللي بتتمنّيه. ساد صمت قصير ، ثم نظرت إليّ بعينين فيهما بريق غريب ، وقالت بصوت خافت : لكني برغم كل ده مش سعيدة. رفعت حاجبيّ دهشة: إزاي ؟ عندك المال، والصحة ، وكل الناس بتحبك… إيه اللي ناقصك ؟ قالت وهي تتنهد: السعادة ليست فلوس يا أستاذ. في قضية معلّقة في حياتي ، لو اتحكم فيها ، سوف أرتاح، وها أبقى أسعد إنسانة في الدنيا. قضية ؟ أي قضية هذه ؟ ابتسمت ابتسامة غامضة وقالت ببطء : القضية دي بين يديك انت. نظرت إليها مذهولًا. بين يديا أنا؟ لم أفهم ! قالت بصوتٍ متهدّجٍ فيه صدق موجع: ألا تعلم حقاً بأن لي عندك قضية قديمة ؟ ألم تقرأها في عيني وأنا أصافحك كل صباح ؟ سكتُّ ، وأحسستُ أن قلبي يخفق بعنف ، وأن حرارةً غريبة تسري في وجهي . ثم قالت بصوتٍ يشبه الهمس: أنا بحبك يا أستاذ. بحبك من غير ما أقدر أقولها لنفسي حتى. حاولت أقاوم ، قلت يمكن دي مشاعر عابرة ، لكني فشلت . أنا مش عايزة الحرام ، وعمري ما عرفته ، لكني مش قادرة أعيش وأنا كاتمة ده في قلبي. ثم أردفت بانفعال : أنا ليس لي غيرك وغير سمارة في الدنيا دي . كل اللي أملكه ، كل المحلات والعمارات، هأكتبه باسمك ، بس خليني أكون حلالك. وسكتت. كان الصمت يثقل الغرفة ، وكأنّ الهواء نفسه توقف عن التنفس. شعرت بارتباكٍ عميق ، كنت بين رجل القانون الذي يجب أن يتحكم في الموقف ، وبين الإنسان الذي تزلزل مشاعره كلمات صادقة خرجت من قلب امرأة جريحة. قلتُ لها أخيرًا بصوتٍ واهنٍ: ده شرف كبير لي يا معلّمة ، بس بصراحة ، الزواج مش في تفكيري دلوقتي ، لسه في أول الطريق ، عايز أكون نفسي. نظرت إليّ بعينين دامعتين وقالت: لا يهم ، أنا لا اري أي حاجة ، بس خليني أطمّن عليك ، وعلى سمارة . ثم قامت ببطء ، ووقفت لحظة كأنها تريد أن تقول شيئًا آخر ، لكنها لم تفعل. غادرت المكتب ، وتركت وراءها عبير عطرها ممزوجًا بالحيرة والدهشة. في تلك الليلة ، لم أنم. كانت كلماتها تطنّ في أذني: “القضية بين يديك ”. أيّ قضية هذه التي تورطني في صراع لا مرئي ؟ أهي بيني وبينها ؟ أم بيني وبين نفسي ؟ بدأتُ أتساءل: هل أنا السبب ؟ هل كنتُ أبعث إليها بإشاراتٍ دون وعي ؟ هل لعبتُ دون قصد دور المدّعي والمدّعى عليه في آنٍ واحد ؟ كانت نفسي تتمزق بين التعاطف والخوف ، بين الرحمة والقلق من الفضيحة ، من التورط في عاطفةٍ لا تليق. ومع الصبح ، رأيتها من نافذة غرفتي تجلس أمام عمارتها كعادتها . وجهها كان ساكنًا ، كأنّ شيئًا لم يحدث. حييتها من بعيد فابتسمت ، ابتسامة لم تعد تشبه ابتسامتها القديمة ، فيها رضا غامض أو ربما استسلام. مرّت الأيام ، وبدأت علاقتنا تتخذ طابعًا جديدًا: حياءٌ متبادل ، نظراتٌ صامتة ، وكأنّ بيننا اتفاقًا غير مكتوب . كنتُ أتفادى اللقاء بها أحيانًا ، لكنها كانت تظهر أمامي فجأة ، بابتسامتها الهادئة ، وعبارتها المعتادة: صبحوا نادي ، صبح ورد و ياسمين . كانت تقولها، ثم تسكت، كأنها ترددها لا لتخاطبني بل لتخاطب الماضي. أما سمارة ، فقد أصبحت أكثر صمتًا ، وأكثر نظراتها كانت حائرة . كنت أرى في عينيها سؤالًا مؤلمًا لا تجرؤ على نطقه: هل خالتي تحبك ؟ وهل أنت… تحبها ؟ لم أكن أملك جوابًا . كنتُ مجرد شاب في أول الطريق ، عالقًا بين امرأة ناضجة تطلب الخلاص في الحب ، وفتاة يافعة ترى فيّ رمزًا لأحلامها. وذات مساء، سمعت أن المعلّمة منار سافرت فجأة إلى الإسكندرية . قيل إنها ذهبت “ تغيّر جو ”. وقيل أيضًا إنها كانت مريضة . لم أرها بعد ذلك إلا مرة واحدة، بعد شهور، حين مررت أمام عمارتها فوجدت على بابها لافتة سوداء صغيرة: البقاء لله. وقفت مشدوهاً ، شعرت بشيء يخنقني . كانت هي التي رحلت ، ومعها بقيت قضيتي المعلّقة بلا حكم. منذ ذلك اليوم، كلما مررت من شارعنا ، أنظر إلى الرصيف المغسول بالماء ، وأسمع في خيالي صوتها يعلو من بعيد: استنى شوية يا عبده، خلّي الأستاذ يعدّي الأول… ثم أبتسم بمرارة. فالقضية التي قالت إنها بين يديّ ، ما زالت كذلك. لكنها لم تعد قضيتها وحدها… صارت قضيتي أنا أيضًا ، قضيّة النفس التي تحاكم نفسها إلى الأبد. قضية المستقبل .

مدونة فكر أديب

مرحبًا! أنا كاتب متحمس للاكتشاف والتعلم، وأجد الإلهام في تفاصيل الحياة. أحب القراءة والغوص في عوالم جديدة من خلال الكتب، والكتابة تعبر عن أفكاري ومشاعري. تجربتي الطويلة قد أكسبتني ثراءً في الفهم والتحليل. أنا هنا لمشاركة تلك الخبرات والتفاصيل الجميلة مع الآخرين. دعونا نستمتع معًا بسحر الكلمات والأفكار.

إرسال تعليق

أحدث أقدم

نموذج الاتصال