كنز مرزوق

كنز مرزوق
انساب القطار فوق القضبان كأفعى معدنيّة لاهثة، يشقّ الريح ويبتلع الطريق بوساوسه الحديديّة. العربات المتخمة بالوجوه المرهقة كانت تضجّ بأصوات مكتومة، تختلط فيها الأنفاس المتقطّعة بروائح العرق والرطوبة والبشر. وفي عربة من عربات الدرجة الثانية، وسط هذا الضجيج الخفيض، جلس شيخ يناهز الخمسين، لكنّ سيماءه تشي بعمق أبعد من السنين، وجهه مشرق كفجر صافٍ، وعيناه تبرقان كبريق سيف مصقول لا يعرف التردّد. ذلك هو الشيخ عبد المولى البرفوثي ، الرجل الذي أخذ يجوب المدن والقرى منذ أعوام، يترك خلفه قصصًا تتشابك بين الأسطورة والواقع. كان الناس يقولون إن لديه بصيرة نافذة بعلم الفلك وقراءة الكف، ويحدّثون عن معجزات تنبثق من يديه كأنه يحمل سراً من أسرار السماء. وصلت تلك الأخبار المُسكرة إلى مسامع السيد مرزوق الدقن، الثري الواسع الرفاه، فاستدعاه إلى قصره في دعوة لا يردّها إلا أحمق أو قديس. هبط الشيخ من القطار بخطوات هادئة ولكنها واثقة، كمن يعرف تمامًا إلى أين يقوده قدره. كان قفطانه الحريري يلمع بنعومة تحت ضوء الشمس، وتنبعث منه رائحة العنبر الممزوجة بنكهة تبغ شرقيّ، رائحة تُذكّر بالعتيق والغموض والدهاليز الخفيّة للأمكنة. وفي ذهنه راحت ترتسم صورة القصر الذي دُعي إليه: حدائق غنّاء، نوافير منثورة، غرف مترفة، وضيافة تليق بملوك الأرض. كان الشيخ يتخيل كل ذلك، ويبتسم في داخله ابتسامة صغيرة: “سترقد روحي هذه الأيام في مكان يليق بها… لم لا؟ لعل البركة أيضًا تحتاج إلى مقام فخم حتى تنطق.”  استقبله أهل القصر في بهو فسيح، بأضواء النجف الكريستالية التي تُسقط على الوجوه هالة من الترف العتيق. جلسوا يشربون القهوة، وكل العيون تنتقل إلى الشيخ في فضول وإعجاب. كان وجهه الوقور بلحيته المسترسلة يُلقي في النفوس انطباعًا بأنه ليس من عالمهم، كأنه نبيّ تائه أو روح قديمة خرجت من كتاب غامض. قال مرزوق الدقن وقد اتسعت عيناه ببريق طفل رأى لعبة جديدة: نحن معجبون ببراعتك يا شيخ برفوشي … خصوصًا في قراءة الكف. ابتسم الشيخ ابتسامة هادئة، وتحدّث بصوت يشبه حرير الماء: المسألة يا سيدي ليست فضلًا مني… إنها وراثة. جدي كان يمر بيده على المرضى فيشفون، ويضرب المخبولين فيرتدّون إلى رشدهم. بركة… هكذا كان يقول الناس. ساد الصمت، كأن الكلمات صعدت فوق الرؤوس وكوّنت سحابة من الدهشة.  في الليل، بينما كان الشيخ يتمتم بأدعيتة داخل غرفته، كان مرزوق يتجول في مكتبه، يتأمّل حديقته الفيحاء من خلف الستور. ولعلّ ذكريات فقره القديم كانت تتمدد أمامه كظل طويل، تذكّره بسنوات الجوع والذل والقهر، قبل أن ينهض إلى ثرائه الحالي. كان يشعر بالفخر، لكنه فخر ممزوج بخوف دفين؛ خوف أن يفقد ما جمعه بالعرق والمكر والدأب. لذلك كان يبحث دائمًا عن أي بركة، أي ضمانة، أي شيء يجعله يصدّق أن ثروته لا يمكن أن تتبخر فجأة كما ظهرت فجأة.  مع الصباح، كان الشيخ يطوف بالقصر مبخرته في يده، دخان البخور يرقص حوله كأشباح بيضاء، وصوته يرتّل رقى غامضة تبدو كأنها موسيقى فجر على حقول قطن بعيدة. أهل القصر يتابعونه بأعين جاحظة، وكل واحد منهم يريد أن ينال نصيبًا من تلك البركة التي تُحكى عنها الحكايات. وذات يوم اصطحبه مرزوق بعربته “الحنطور” نحو بساتينه، يريد له أن ينفث بركته في الأشجار والثمار والتربة. هناك، وبين الظلال والنور، قال الشيخ بصوت مُتعب ولكن حازم: أريد أن أرحل غدًا… لكن قبل ذلك هناك أمر خطير يجب أن تعرفه. ارتجف قلب مرزوق، وسرت رعشة طمع دافئة في كيانه. أفصح يا سيدنا الشيخ… أرجوك. تمهّل البرفوثي ، ثم قال: في قصرك… كنز مسحور. اكتشفته عندما كنت أرقّي الغرفة وأشعل البخور في المدفأة. لمعت عينا مرزوق كذئب شمّ رائحة صيد دسم. “كنز… في قصري؟ ربما قدري يريد تعويضي أخيرًا.” قال متلهّفًا: وأين هو؟ وكيف يمكن فتحه؟ غرفة الضيوف التي أنام فيها… لكن لا يُفتح إلا بقراءة رقية على كف إنسان يحمل علامات نادرة. انطلقت العربة إلى القصر بسرعة الجنون. في تلك الليلة جمع مرزوق أهل بيته في صف طويل، كل واحد منهم يمدّ كفه أمام الشيخ. كان الجو مزيجًا من رهبة وشغف، وصوت الشيخ وهو يتمتم يعطي للمشهد طابعًا من الغموض الميتافيزيقي. وفجأة صاح: هذه هي اليد! اندفعوا جميعًا ينظرون… فإذا هي يد زوجة ابن مرزوق، تلك السيدة المرحة المتأنقة. توردت وجنتاها، وارتعشت قليلاً تحت نظرات الجميع، بينما الشيخ يعصر كفها ويقول بنشوة: هذه الكف… هذه وحدها من تفتح أبواب الكنز.  دخل الشيخ والسيدة الغرفة ليلًا، وأُغلِق الباب بإحكام. طلب الهدوء والصمت، وقال إن الأمر يحتاج إلى اعتكاف. بقي البخور مشتعلًا، والدخان يتصاعد من المدفأة كأنه فم تنّين يتهيأ لابتلاع سرّ كبير. في الخارج، لم يستطع مرزوق النوم. كان يحدّق في سقف غرفته، والشهوة القديمة للمال تتململ داخله: “لو فتح الكنز… سأعطي للفقراء… نعم… ربما… لكنني سأشتري أيضًا ما يليق بمقامي… سيارات أحدث… جواهر… قصور… لماذا لا؟” تقلّب في فراشه بين طمع وتبرير، حتى غلبه النوم.  مع الصباح، صعد مرزوق الدرج بخطوات متعجلة، تكاد قدماه تنزلقان من فرط توتره. طرق الباب بخفة: شيخ برفوشي … يا شيخ… فتح الباب… ثم أطلق صرخة مزّقت أركان القصر. كانت زوجة ابنه ممددة فوق السرير، وجهها محتقن، أنفاسها متقطعة، في شبه إغماء… وكانت مجردة من حُلِيّها: العقد الماسي، الأقراط، الأساور الذهبية… كلها اختفت. أما الشيخ… فلا أثر له. لا ظل، لا عباءة، لا بخور. كأنه لم يوجد أصلًا. وبينما كان مرزوق يدور في الغرفة كالمخبول، ظهر ضابط المباحث خلفه فجأة قائلاً: اسمح لنا يا سيد مرزوق بتفتيش القصر. لقد تأكد لدينا أن المحتال الهارب “زعزوع أبو عودة” موجود هنا… متنكرًا في هيئة شيخ.  وتوقفت الكلمات في فم مرزوق. وتوقفت أنفاس القصر. وبقي الدخان الخفيف في الغرفة يتصاعد… كأنه يضحك.  ربما الكنز لم يكن في المدفأة… ربما كان في عقل مرزوق نفسه… أو ربما كان في يد المرأة… أو ربما لم يوجد كنز قط. ويبقى السؤال يتردد في فضاء القصة: من يخدع من؟ هل هو الشيخ؟ أم الطمع؟ أم الإنسان نفسه حين يرى ما يريد أن يرى؟

مدونة فكر أديب

مرحبًا! أنا كاتب متحمس للاكتشاف والتعلم، وأجد الإلهام في تفاصيل الحياة. أحب القراءة والغوص في عوالم جديدة من خلال الكتب، والكتابة تعبر عن أفكاري ومشاعري. تجربتي الطويلة قد أكسبتني ثراءً في الفهم والتحليل. أنا هنا لمشاركة تلك الخبرات والتفاصيل الجميلة مع الآخرين. دعونا نستمتع معًا بسحر الكلمات والأفكار.

إرسال تعليق

أحدث أقدم

نموذج الاتصال