الأرملة الجميلة
لم تكن “وردة” تحتاج إلى مرآة كي تعرف أن التعَب صار يستوطن ملامحها؛ فقد صار وجهها كتاباً مفتوحاً يقرؤه أطفالها قبل أن تنطق. كلما عادت من عملها، يهربون منها كما لو أن التعب الذي تحمله في كتفيها صار وحشاً يسبق خطواتها. تدرك ارتجاف أعينهم، التوتر الذي يملأ الهواء حين تدخل، تُدرك وتنكر في آن.
تسأل نفسها كل ليلة:
“لماذا أحمل هذا الصليب وحدي؟ ماذا فعلتُ لأستحق كل هذا الثقل؟”
يمر وجه زوجها الراحل في ذاكرتها كطيفٍ كانت تطارده يوماً بضحكاتها، فإذا به يرحل فجأة، يتركها في ريعان الشباب حاملة ثلاثة أطفال، ووجها يتقوس مع الزمن حتى بات العبوس ظلّها الذي لا يفارقها.
كانت تعترف بصوت لا يسمعه أحد:
“كرهني الجميع… حتى أطفالي… لم أعد أحتمل ضحكاتهم الصغيرة. هل أنا أمّ سيئة؟ أم أنّ الصليب أكبر من أن أحتمل؟”
وفي تلك الليلة التي سقط فيها كل شيء من يديها، حتى الشعور بالقدرة على البقاء، ركعت.
لم تكن تعرف ماذا تقول أو من تخاطب، لكنها همست:
“يا رب… خفّف.. أو خذ. إن كان الحمل أكبر من روحي، فخذ روحي.”
نامت وهي تبكي، فحملت دمعتها طريقاً إلى حلم لم تعرف مثله.
رأت نفسها في غرفة واسعة بلا نوافذ، يحفّها نور لا تعرف مصدره. كانت الغرفة مليئة بالصلبان؛ كبيرة وصغيرة، سوداء وبيضاء، صامتة ومهيبة.
وقف السيد المسيح قربها، بنظرة حانية كأنها تستخرج من داخلها الطفل الذي ما زال يبكي منذ سنوات.
قال لها بصوت يدفئ العظم:
“لماذا تتذمّرين يا ابنتي؟ أعطيني صليبك الذي أثقل ظهرك. اختاري غيره… اختاري ما يكون عوناً لك في طريقك.”
ارتجفت. مدت يديها وقدّمت صليب حزنها الطويل كأنها تسلّم جزءاً من جسدها.
نفست للمرة الأولى بلا وجع في صدرها.تقدمت نحو صليب صغير بدا لطيفاً، كغصن لا يكسر. ما إن حملته حتى سقطت ركبتاها من ثقله. سألت بفزع:
“صليب من هذا؟”
أجابها:
“إنه صليب شابة أصيبت بالفالج في أول عمرها. أغلقت عليها الدنيا باب الحركة، فصارت سجينة جسدٍ لا يطيعها. لكنها تشكرني كل صباح، لذلك يبدو صليبها صغيراً.”
انتقلت إلى صليب آخر، صغير أيضاً، لكنه أحرقها بمجرد أن لمسته.
صرخت:
“ومَن تحمل النيران يا سيدي؟”
فقال:
“امرأة زوجها رجل شرير، يجلدها بالكلام والصمت واليد. لكنها تحتمله بفرح وتصلي لأجله.”
ثم حملت ثالثاً فارتجف قلبها… كان بارداً كقطعة جليد اخترقت صدرها.
فقال المسيح، بنبرة يختلط فيها الألم بالدهشة:
“هذا صليب أمّ دفنت أبناءها الستة، واحداً تلو الآخر. ومع كل قبر رفعت عينيها إليّ شاكرة على ما بقي لها من صبر.”
سقطت وردة على ركبتيها، ودموعها تسيل بلا مقاومة.
همست:
“سأحمل صليبي… لكن احمله معي. اجعل مرارته حلاوة، وثقله نعمة. علّمني أن أشكرك عليه.”
وبين تنهيدة وأخرى، انطفأ المشهد كسحابة تتلاشى، وعادت إلى فراشها، وقد التصق الدعاء بروحها كما يلتصق الثوب المبلل بالجسد.
نشأت وردة في مجتمع يعرف الأرملة كما يعرف كتاباً تقرأه كثيراً: يفهم العنوان ويجهل الصفحات.
فالأرملة في عيون الرجال صيد… وفي عيون النساء تهديد. لم يكن يُنظر إليها كامرأة لها قلب وماضٍ ومستقبل، بل كحالة اجتماعية، أو كعلامة تعجب تتنقل بين البيوت.
كانت نظرات الشفقة تجرحها أكثر من الوحدات الطويلة. أما نظرات الطمع فكانت تخيفها وتغضبها وتعرّيها في آن. النساء كنّ يحيطن أزواجهنّ بها وكأنها وباء، والرجال يتعاملون معها كأنها فرصة تتجول في هيئة بشر.
وفي هذه الدوّامة، كانت وردة. قوية أحياناً، مكسورة غالباً، لكنها لا تسقط.
لم تكن ندى مثل وردة. كانت عكسها تماماً.
فرحت يوم مات زوجها. نعم… فرحت.
لم يكن فرحاً شريراً؛ كان شبيهاً بتنفس امرأة خرجت تواً من بئر عميق لا يصل إليه الضوء.
زوجها كان فظّاً، قاسياً، يجرح بلا سبب، يعاملها كما لو أنها ظلّ زائد. وكان يحمل إرثاً من الخوف على أمّه الأرملة، التي كان يرى فيها عالمه كله، فيجلد كل من يقترب من هذا العالم، حتى زوجته.
يوم مات… شعرت ندى أن باباً جديداً فتح في حياتها، باباً يطل على الشمس.
لكن المجتمع نفسه الذي خنق وردة، التفت إلى ندى بالعين نفسها.. الشك، الريبة، التخوين.
حتى جارتها أم عارف، التي كانت لها كأخت، قطعت علاقتها بها خوفاً على زوجها، رغم أنه لم يكن من ندى إلا طيبة القلب وكثرة الصمت.
عندما سقطت الجارة من حياتها، أدركت ندى أن الله لا يغلق باباً إلا ليعطيها باباً أفضل.
التقت وردة وندى يوم وفاة والدة ندى.
كانت وردة معلمة لابنة ندى، لكنها لم تكن تعرف عنها إلا القليل. في بيت العزاء، رأتهما الحياة يقتربان من بعضهما، كجبلين التقيا بعد سنوات من الانفصال.
منذ ذلك اليوم، صارتا مرآتين لبعضهما:
وردة ترى في ندى جرأة لم تستطع امتلاكها، وندى ترى في وردة حناناً كانت تفتقده.
دعمت ندى نفسها بالعلم، أكملت دراستها الجامعية، بينما كانت ابنتها “براء” تكبر معها وتتعلم معنى أن تكون الأمّ جبلاً.
ومع الوقت، أنشأتا معاً مشروع “روضة نموذجية”؛ كانت حلماً صغيراً بدأ كشمعة ثم تحول إلى ضوء يملأ حياتهما.
نجحتا، ووقفتا معاً أمام المجتمع بلا خوف.
عاد سامر من الخليج… سامر الذي أحب وردة في أيام الجامعة، والذي لم يستطع نسيانها.
جاءها عارضاً الزواج، يحمل في قلبه صوراً قديمة عنها لم تجرؤ الأيام على مسحها.
لم تقل نعم، ولم تقل لا. قالت عبارتها المعلّقة: “
سأفكر.”
أما ندى، فقد ظهر رجل من الماضي… “عنان”.
كان يحبها منذ أربعة وعشرين عاماً، لكن الظروف دفعت كل منهما لطريق بعيد عن الآخر.
عاد الآن، يحمل رغبة هادئة في أن يعيد إليها ما سُرق من قلبها.
بنَى علاقة مع ابنتها براء، فوجدت فيه حناناً لم تعرفه من والدها.
لكنها، كبعض الأبناء الذين يظنون أنهم يحرسون قلوب أمهاتهم، رفضت الفكرة تماماً.
قالت له:
“أمي لا تفكر في الزواج… انتهى هذا الموضوع.”
لكن خطيبها، الذي كان أكثر نضجاً منها، أخبرها:
“ليس من حقك أن تقرري عن والدتك. قلب المرأة لا يموت. أمك تستحق السعادة، وقد تعبت بما يكفي.”
بدأت براء صراعاً مع أفكارها، حتى أدركت أنها تُعيد أمها إلى السجن الذي خرجت منه.
فذهبت إليها ذات مساء، وقالت لها بصوت خافت:
“ماما… عنان رجل جيد… فكّري.”
وردة وحدها في غرفتها.
تسأل نفسها:
إن تزوجتُ، هل أخون ذكراه؟ وإن لم أفعل، هل أخون نفسي؟ هل أنا أمّ أولاً أم امرأة؟ أم الاثنان؟ هل الحب يُعاد؟ أم يُدفن مع أول من سكن القلب؟
ثم تتذكر الصلبان التي رأتها.
تتذكر أنها حملت صليبها وحسبته الأسوأ، فإذا به أخفّ مما تحمله نساء أخريات.
تقول في داخلها:
“أخاف… من الناس… من الماضي… من نفسي… من أن أحبّ لأن الحب صار غريباً…”
لكن صوتاً آخر يخرج من أعماقها:
“ولِمَ لا؟ ألم يقل لي المسيح أن أحمل الصليب بشكر؟ أليس الشكر يشمل الفرح، والاختيار، والبدء من جديد؟”
ندى أيضاً تعيش صراعاً.
تعرف أنها تستحق رجلاً يعاملها بكرامة، لكنها تخاف من ذكريات الصخر الذي كانت تعيش معه.
تخاف أن تُجرح مرة أخرى.
تخاف أن ترجع إلى حفرة نجت منها.
لكنها تتذكر وردة حين قالت لها مرة:
“لا شيء يقتل الإنسان مثل الخوف من الحياة.”
فأجابت ندى:
“وأخاف ألا أعيش إن لم أجرب.”
بين كل الأحداث، كانت القدس ديكوراً لا يغيب؛
مدينة تعيش تحت الحصار لكنها لا تنحني.
شوارعها، أزقتها، روائح الخبز والحجارة القديمة، حواجز الاحتلال التي تعيق خطوات الشباب، الاعتقالات، الليالي التي ينام فيها أهلها على قلق…
كل ذلك كان جزءاً من الحكاية، جزءاً من أرواح الشخصيات.
كانت المرأتان تشاهدان الظلم حولهما، فتعرفان أن معركتهما صغيرة أمام معارك كثيرة، لكنهما أيضاً تكتشفان أن لكل امرأة صليبها الخاص الذي لا يراه أحد.
في المساء، اجتمعت وردة وندى في الروضة بعد أن غادر الجميع.
جلستا على الأرجوحة الخشبية، تتأملان السماء.
سألت ندى بصوت يشبه الهمس:
“وردة… هل اخترتِ صليبك أخيراً؟”
ابتسمت وردة، ابتسامة لم ترها ندى منذ سنوات
قالت:
“ربما لم أختر… لكني لم أعد أهرب منه.”
ثم التفتت إلى ندى:
“وأنتِ… هل ستفتحين الباب لعنان؟”
هزّت ندى كتفيها، وقالت:
“أفكر… هذه المرة أفكر من قلبي لا من خوفي.”
بينهما صمت طويل، صمت يشبه صلاة.
وفي ذلك الصمت، بدت الحياة كأنها تسأل:
هل يحق للأرملة أن تحب؟ هل يحق لها أن تبدأ؟ هل يحق لها أن تختار؟
وحده القلب يعرف الجواب…
والقلب لا يخون صاحبه حين يصغي إليه.
وبقيت الأرجوحتان تتحركان في هواء ليل المدينة، كأنها صلبان خفيفة تحملهما الريح، تبحثان عن غدٍ لا ينتهي بالحزن…
ولا يبدأ بالخوف.
