الحركة البهاكتية:
بين العبادة والحكمة والتمرد الصوفي
تمهيد
تُعدّ الحركة البهاكتية واحدةً من أهم الحركات الروحية والفلسفية في تاريخ الديانات الهندوسية ، إذ شكّلت جسرًا بين الدين الشعبي والبحث الفلسفي، وبين العبادة الفردية والوعي الجمعي ، وبين العاطفة والحكمة. نشأت هذه الحركة في جنوب الهند خلال القرنين السابع والثامن الميلاديين، ثمّ امتدّت شمالًا وشرقًا لتصبح تيارًا شاملًا غيّر معالم الروحانية الهندية في العصور الوسطى. إنها حركة لم تكتفِ بالدعوة إلى حبّ الإله، بل سعت إلى إعادة تعريف العلاقة بين الإنسان والمطلق ، وإلى تكسير قيود الطبقات الاجتماعية عبر الإيمان بأن الخلاص متاح لكلّ قلبٍ مخلص، لا لكل نسبٍ رفيع.
الفصل الأول: الجذور والتكوّن الروحي
بدأت البهاكتية بين شعراء التاميل الذين رفعوا صوتهم بالعشق الإلهي، لا بوصفه واجبًا طقسيًا بل تجربة وجدانية تذيب الكيان في المحبوب الإلهي. كان هؤلاء الشعراء – من النايماريين الموالين لشيفا، والألفاريين المخلصين لفيشنو – ينشدون ترانيمهم في الأسواق والقرى والمعابد، يحرّكون الوجدان الجمعي بلغة العامّة لا بلغة البراهمة. هنا تتجلّى النزعة الثورية الأولى في الحركة: نقل القداسة من المعبد إلى القلب، ومن الكاهن إلى الإنسان العادي.
ولم تكن هذه النزعة محصورة في حدود التعبّد؛ بل حملت بُعدًا اجتماعيًا واضحًا، إذ رفضت التراتب الطبقي الذي فرضته الهندوسية الأرثوذكسية. فالإله، في نظرهم، لا يُفرّق بين مولودٍ في طبقةٍ عليا وآخر في طبقةٍ وضيعة ، طالما أن القلوب صادقة في حبّها. وفي ذلك قال أحد شعراء البهاكتي: «ليس الإله في الذهب والطقوس، بل في دموع المحبّ حين يذكره.»
الفصل الثاني: المعنى الفلسفي للبهاكتي
تنبع كلمة "بهاكتي" من الجذر السنسكريتي bhaj، الذي يعني المشاركة أو الارتباط أو الانتماء، ما يعكس جوهر الفكرة: اتحاد العابد بالمعشوق الإلهي عبر الحبّ والتفاني. ويُقابل هذا المفهوم في الفلسفة الهندوسية فكرة "كاما" (Kama)، أي الحبّ الشهواني أو الرغبة، غير أنّ البهاكتي تتجاوز الجسد لتبلغ الروح، فهي حبٌّ محرّر من الغاية المادية، وعشقٌ مطلق يتجاوز الحدود بين الذات والمطلق.
إنّ البهاكتي ليست عاطفةً سطحية كما ظنّ بعض الدارسين الغربيين، بل هي منهج روحي يجمع بين الإحساس والعقل، بين الوجد والتأمل. وقد رأت الباحثة "كارين بيشيليس" أنّ البهاكتي ليست "عاطفةً ضعيفة التمييز"، بل ارتباط وجوديٌّ يُعيد تشكيل هوية الإنسان عبر ولائه للإله.
الفصل الثالث: البهاكتي كحركة اجتماعية وإصلاح ديني
تُعدّ البهاكتي ثورة هادئة ضدّ السلطة الدينية والاجتماعية. فهي لم ترفع السلاح، بل الكلمة ، ولم تهدم المعابد، بل حوّلتها إلى فضاءات للتأمل والغناء والإنشاد. وقد مثّلت في جوهرها دعوةً إلى المساواة الروحية بين البشر ، فالرجل والمرأة، الغنيّ والفقير ، البراهميّ والمنبوذ ، جميعهم سواء في نظر الإله إذا صدقت المحبّة.
ومن هنا ، كان تأثير البهاكتي عميقًا في ظهور الديانة السيخية، التي تبنّت فكرة التوحيد القائم على الحبّ الإلهي، ورفضت الطبقية. كما تفاعلت البهاكتي مع الصوفية الإسلامية التي وصلت إلى الهند مع الفتح الإسلامي، فتبادل التياران التأثير؛ إذ تبنّت الصوفية روح التفاني والحبّ والإنشاد الجماعي، بينما استلهمت البهاكتي من الصوفية معاني "الخضوع للإله الواحد" و"الفناء في الذات الإلهية". وهكذا نشأ في الهند ما يمكن تسميته بتصوّفٍ هندوسيٍّ خالص.
الفصل الرابع: الفلسفة الميتافيزيقية – نيرغونا وساغونا براهمان
في قلب الفلسفة البهاكتية يبرز الجدل حول طبيعة الإله:
هل هو مطلقٌ بلا شكلٍ ولا صفة ؟ أم كائنٌ يمكن إدراكه بالرمز والصورة ؟
انقسم المفكرون البهاكتيون إلى اتجاهين:
• نيرغونا براهمان: الإله غير الموصوف، الخالي من الصفات، اللامحدود الذي لا يمكن للعقل أن يتصوره أو يحدّه.
• ساغونا براهمان: الإله الموصوف بالصفات، المتجلّي في صورةٍ محسوسة ككريشنا أو فيشنو أو شيفا.
لكن الفلاسفة الكبار مثل أدي شانكارا (Advaita Vedanta) ورامانوجا (Vishishtadvaita) ومادهافا (Dvaita) رأوا أن الحقيقة ليست تناقضًا بين الاثنين، بل تكاملاً بين المعرفة والحبّ؛ فالمطلق واحد، غير أنّه يُدرَك بالعقل كحقيقة، وبالقلب كحبيب.
وقد لخّص "ديفيد لورينزن" هذا المعنى بقوله: «في جبال الأدب البهاكتي، لم يكن التفاني نحو نيرغونا أو ساغونا سوى طريقين للعبور نحو الحقيقة ذاتها.»
الفصل الخامس: الشعر والموسيقى كوسيط بين الإنسان والإله
اتخذت البهاكتي من الشعر والموسيقى لغتها الأساسية، فالكلمة كانت صلاة، والنغمة وسيلة للوصول إلى المطلق. كتب شعراؤها بلغةٍ عاميةٍ بسيطة لكنها مفعمة بالعاطفة والرموز، فحوّلوا الشعر إلى طقسٍ ديني. كانت قصائدهم تمزج بين الشوق الإنساني والوجد الصوفي ، حتى ليبدو الإله فيها حبيبًا تنتظره النفس ، لا سلطانًا يُخاف منه.
لقد ألغت البهاكتي الفاصل بين المقدّس والعادي؛ إذ صار الغناء اليومي ضربًا من العبادة، وصار الحبّ الإنساني مرآةً للحبّ الإلهي. ومن هنا اكتسبت الروح البهاكتية طابعًا جماليًا جعلها من أكثر التيارات الأدبية تأثيرًا في الثقافة الهندية حتى اليوم.
الفصل السادس: البهاكتي بين الفلسفة والدين
من الناحية الفلسفية، يمكن النظر إلى البهاكتي باعتبارها فعل توازن بين العقل والعاطفة. فهي لا ترفض الفلسفة كما فعلت بعض الحركات الروحية، ولا تغرق في التأمل العقلي حتى تنسى حرارة الإيمان. بل هي منهج وجوديٌّ يرى أن المعرفة دون حبٍّ جافة، والحبّ دون معرفةٍ عمياء.
كما تحمل البهاكتي بعدًا نفسيًا عميقًا؛ إذ تحرّر الإنسان من ثنائية الخوف والرجاء، وتدعوه إلى علاقةٍ قائمة على المحبّة الخالصة. وهذا ما يجعلها قريبة من نزعاتٍ روحية في الديانات الأخرى، مثل التصوّف الإسلامي والمحبّة الإلهية في المسيحية الشرقية.
خاتمة
الحركة البهاكتية ليست مجرّد ظاهرة دينية في الهندوسية، بل تحوّل فلسفي وإنساني شامل. فقد أعادت تعريف العلاقة بين الإنسان والمطلق، بين الدين والحبّ، بين المجتمع والفرد. ومثلما قال أحد شعرائها: «حين يذوب القلب في النور، لا يبقى اسمٌ ولا مذهب، بل فقط الحبّ.»
إنها دعوةٌ إلى أن تكون العبادة فعلَ وعيٍ وحضورٍ، وأن يكون الحبّ طريقًا إلى المعرفة، وأن تتحوّل الفلسفة من خطابٍ للعقل إلى رحلةٍ في أعماق الروح.
المراجع
1. Pechelis, Karen. The Embodiment of Bhakti: Devotion as Compassion in Indian Philosophy. Oxford University Press, 1999.
2. Lorenzen, David. Bhakti Religion in North India: Community Identity and Political Action. SUNY Press, 1995.
3. Fuller, Jineen. Hindu Devotional Traditions: The Bhakti Movement and Its Legacy. Cambridge University Press, 2008.
4. Doniger, Wendy. The Hindus: An Alternative History. Penguin Books, 2010.
5. Sharma, Arvind. Classical Hindu Thought: An Introduction. Oxford University Press, 2000
ملاحظة : هذا ملخص بحث في الأديان الهندية
